لعله لم يكن من قبيل الصدفة ان يعلن الرئيس الامريكي جورج بوش عزمه علي اتباع كل الوسائل للاطاحة بالرئيس العراقي صدام حسين قبيل اجتماعه بالعاهل الاردني الملك عبدالله، الذي وصل الي واشنطن حاملا رسالة تحذير واضحة، من العرب جميعا، من النتائج الكارثية التي يمكن ان تترتب علي امن واستقرار وسلام المنطقة العربية، وربما العالم باسره، في حال مضي الرئيس الامريكي قدما في نواياه العدوانية هذه. فالرسالة التي يريد توجيهها الي الزعماء العرب، واضحة اللغة والمعالم، وسهلة الفهم، وتختصر في بضع كلمات، وهي انني استمع اليكم ولكنني افعل ما اراه مناسبا لمصالحنا ومصالح الدولة العبرية حليفتنا الاساسية والاستراتيجية، ومن لا يعجبه هذا الكلام فليشرب البحر.فالمسألة ليست مسألة اسلحة دمار شامل ولا انعدام الديمقراطية وحقوق الانسان في العراق، وانما هي مسألة استكبار امريكي، واستخفاف بالعرب والمسلمين، ووجود احقاد دفينة تتطلب الانتقام منهم والحاق اكبر قدر من الاذلال بهم حكاما وشعوبا.فعندما يقول دانييل كيرتزر، سفير الولايات المتحدة في تل ابيب ان القتلة الارهابيين الفلسطينيين وصلوا الي مستوي جديد من الانحطاط بتفجيرهم قنبلة في مقصف الجامعة العبرية قتلت سبعة اشخاص بينهم خمسة امريكيين ، فليس هنـاك دليل اقوي من هذا يؤكد هذا الحقد العنصري الديني المتأصل في نفوس المسؤولين الامريكيين تجاه هذه الأمة.فالسفير الامريكي الذي تخرج من الجامعة العبرية، ويعتبر من اشد المتدينين اليهود، لم ير ان ارييل شارون بلغ الدرجة نفسها من الانحطاط عندما القي بقنبلة تزن طنا من المتفجرات فوق عمارة سكنية لقتل اطفال وهم نيام في حي الدرج الفقير بمدينة غزة.العراق يقـــف اليوم امام حرب جديدة، ليس لانه يحتل الكويت، او يهدد جيرانه، وانما لان الولايات المتحدة تريد الهيمنة علي مقدراته النفطية واغراق الاسواق بالبترول الرخيص، ونسف منظمة اوبك والغاء دورها في تحديد الانتاج والاسعار.الرئيس بوش يريد احتلال العراق وتنصيب نظام دمية في بغداد، يستخدمه لارهاب ايران، وازالة آخر عقبة في طريق الهيمنة الاسرائيلية الكاملة علي المنطقة العربية، وبما يجعل من الدولة العبرية الكفيل الجديد لحكام الخليج، والحارس الامين علي النفط وآباره وامداداته.امريكا تقف علي ابواب كارثة اقتصادية وانهيار مالي، وحرب استنزاف مادية ونفسية بسبب انشغالها بحرب فاشلة ضد ما يسمي بالارهاب، وليس امام الرئيس بوش الا مخرج وحيد وهو تصدير ازماته الي الخارج، وفتح خزائن العراق امام الشركات الامريكية، وفتح صنابيره النفطية لاغراق اسواق العالم بالنفط الرخيص.ضباع الادارة الامـريكــــية الحالـــية متعطشة للدماء، والعربية منها خاصة، ويدفعون باتجاه الحرب، ولا يعيرون اهتماما لكل الاصوات العـاقلة التي تطالب بالتريث، وتحذر من العواقب. اليوم تصادف الذكري الثانية عشرة للغزو العراقي للكويت، ولكن ما ينتظر العراق ام معارك حقيقية، تتواضع امامها ام المعارك الاولي، وهذا يتطلب وقوف جميع ابناء الامة خلف هذا البلد العربي، لمنع العدوان عليه اذا امكن، والوقوف الي جانبه وفي خندقه في جميع الاحوال.ام المعارك الاولي قسمتنا، ودفعت بعضنا لارتكاب خطيئة الحرب مع الاجنبي ضد بلد عربي شقيق، وتدمير مقدراته، وفرض حصار ظالم عليه. و ام المعارك المقبلة يجب ان تكون اداة توحيد، ونقطة التقاء يلتف حولها الجميع، لحماية شعب عربي اصيل حارب في كل معارك الأمة وحروبها، وقدم الشهداء قبل المال، ولم يمّن علي احد.تدمير العراق، واحتلاله، هو تدمير واحتلال لجميع الدول العربية، ومقدمة لمرحلة من التفتيت واعادة رسم الحدود تماما كما اجتمعت قوي الاستعمار القديم لنهش جثة الامبراطورية العثمانية واقتسام غنائمها.وقفنا مع العراق وشعبه العربي الاصيل في الحرب الثلاثينية، وتعرضنا لهجمات واتهامات بالعمالة ومساندة الديكتاتورية وانتهاك حقوق الانسان، ودفعنا ثمنا باهظا، ولكن ايماننا لم يتزعزع بوصة واحدة بعدالة قضية الشعب العراقي، وظللنا الصوت القوي الذي يعبر عن مأساته تحت الحصار الظالم الذي يتعرض له. عندما بدأت القوات الامريكية تتدفق الي ارض الجزيرة العربية استعدادا للعدوان، حسمنا خيارنا، ووقفنا في الخندق الآخر، المواجه للخندق الامريكي، واتهمنا البعض بالجنون، واختيار المعسكر الخاسر، اليوم نقف في الخندق نفسه، المواجه للخندق الامريكي ـ الاسرائيلي، والي جانب اشقاء كرام اعزاء، ولا تهمنا النتائج، فنحن لا ننظر الي الامور من منظار الربح والخسارة، وانما من منظور الكرامة والاخلاق والقيم العربية والاسلامية، فالحياة بالنسبة الينا وقفة عز اولا واخيرا.