سبحان الله انظر لأسرار القرآن بسم الله الرحمن الرحيم (الشبكة الإسلامية)الدكتور: زغـلول النجـار من الإشارات الكونية في القرآن الكريم ومغزى دلالتها العلمية، ما جاء في قوله تعالى: {ولو فتحنا عليهم باباً من السماء فظلوا فيه يعرجون* لقالوا إنما سُكرت أبصارنا بل نحن قوم مسحورون}(الحِجْر:14-15). هاتان الآيتان الكريمتان وردتا في سياق الحديث عن عناد ومكابرة كفار قريش لخاتم الأنبياء والمرسلين صلى الله عليه وسلم. وتكذيبهم ببعثته، وتشكيكهم في الوحي الذي أنزل إليه من ربه، واتهامهم له بالجنون، وهم أعرف الناس بأنه صلى لله عليه وسلم كان أرجح الناس عقلا، وأعظمهم خلقا، وأشرفهم نسبا، ولذلك نزلت الآيات في مطلع سورة الحِجْر لتشيد بالقرآن الكريم، ولتهدد هؤلاء الجاحدين بمشهد يوم عظيم يعانون فيه أهوال الآخرة، فيتمنون لو كانوا في الدنيا قد أسلموا لرب العالمين، وآمنوا ببعثة خاتم الأنبياء والمرسلين، وبآيات هذا الكتاب المبين، وبيوم البعث الذي كانوا به ينذرون. وليهون القرآن الكريم على النبي الخاتم صلى الله عليه وسلم صلف هؤلاء المتكبرين، تطلب منه الآيات القرآنية أن يدعهم في غيهم يأكلون ويتمتعون، ويُلْهِهِم الأمل بطول الأجل عن التفكير فيما سوف يلقونه من عذاب مهين في الدنيا قبل الآخرة، وذلك جزاء كفرهم وعنادهم وكبرهم. وهذا التهديد والوعيد من الله تعالى لهؤلاء المجرمين من الكفار والمشركين، يتبعه تذكير بمصائر غيرهم من الأمم السابقة عليهم، وبأن الله تعالى لم يهلك أيا من تلك القرى الظالمة التي كذبت بآياته ورسله إلا وجعل لهلاكها أجلا محددا. وتذكر الآيات تحديات كفار قريش لرسول الله صلى الله عليه وسلم، واستهزائهم به، واستنكارهم لشرف بعثته حتى طلبوا منه أن يأتيهم بالملائكة ليشهدوا له بصدق نبوته، فيرد الحق تبارك وتعالى عليهم، بأن الملائكة لا تنزل إلا بالحق، وأن من هذا الحق أن يدمر المكذبون بآيات الله ورسله بعد أن جاءتهم نذر ربهم. ثم تؤكد تلك الآيات الكريمات على أن الله تعالى هو الذي أنزل القرآن العظيم، وأنه تعالى قد تعهد بحفظه فحفظ، فلا يمكن لمحاولة تحريف أن تطوله، ولا لمؤامرة تبديل أن تصيبه، مهما حاول المحرفون، وتضافر المتآمرون. وهذا الحفظ الرباني لآخر الكتب السماوية وأتمها وأكملها، لهو بحق أعظم المعجزات المبهرة لهذا الكتاب الخالد، وعلى الرغم من ذلك كله فقد كذب به هؤلاء المعاندون، كما يكذب به نفر من كفار هذا الزمان الرديء ومشركيه وملاحدته. ومن قبيل تهوين الأمر على خاتم الأنبياء والمرسلين صلى الله عليه وسلم، والتهوين على أتباعه الصالحين في زماننا وفي كل زمان، تذكره الآيات وتذكرهم أنه صلى الله عليه وسلم لم يكن متفردا بجحود قومه، وتكذيبهم، ومكابرتهم، وعنادهم، واستهزائهم، فقد سبقه من الأنبياء والمرسلين من تعرضوا لذلك وأشد منه، فاستحقت أقوامهم المكذبة عقاب الله في الدنيا قبل الآخرة. ومن الغريب أن الجاحدين من الخلق الذين أشركوا بالله أو كفروا به سبحانه وبملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر في كل زمان ومكان، لم يكن لينقصهم الدليل المنطقي على قبول وحي السماء، وما فيه من آيات بينات ولكنه الصلف والعناد والمكابرة في مقابلة الحق، ومواجهة كل حجة أتتهم، وكل بينة جاءتهم، تماما بتمام، كما كان موقف كفار قريش من خاتم الأنبياء والمرسلين صلى الله عليه وسلم، ومما أنزل إليه من قرآن كريم، فتصور لنا الآيات في مطلع سورة الحجر نموذجا صارخا لمكابرة أهل الباطل وعنادهم في مواجهة الحق، وذلك بقول ربنا تبارك وتعالى: { ولو فتحنا عليهم باباً من السماء* فظلوا فيه يعرجون* لقالوا إنما سُكِّرت أبصارنا بل نحن قوم مسحورون}(الحجر:14-15) بمعنى أنه حتى لو فتح الله تعالى على هؤلاء المكابرين باباً من السماء، وأعانهم على الاستمرار بالعروج فيه بأجسادهم وكامل حواسهم، حتى يطلعوا على بديع صنع الله في ملكوته، وعلى عظيم قدرته في إبداع خلقه، وعلى اتساع سلطانه وملكه، وعلى حشود الخاضعين له بالعبادة والطاعة والتسبيح في خشية وإشفاق بالغين، لشكوا في تلك الرؤية المباشرة، ولكذبوا أبصارهم وعقولهم وباقي حواسهم، ولاتهموا أنفسهم بالعجز التام عن الرؤية تارة، وبالوقوع تحت تأثير السحر تارة أخرى، وذلك في محاولة لإنكار الحق من فرط مكابرتهم وصلفهم وعنادهم. وعلى الرغم من كون أن ( لو ) حرف امتناع لامتناع، وكون هاتين الآيتين الكريمتين قد وردتا في مقام التشبيه والتصوير لحال المكابرين من الكفار والمشركين وعنادهم وصلفهم، إلا أن صياغتهما قد جاءت ـ كما تجيء صياغة كل آيات القرآن الكريم ـ على قدر مذهل من الدقة العلمية والشمول للحقيقة الكونية والكمال المطلق، مما يشهد بأن القرآن الكريم هو كلام الله الخالق الذي أبدع هذا الكون بعلمه وحكمته وقدرته، وأن خاتم الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد بن عبد الله صلوات الله وسلامه عليه كان موصولا بالوحي، ومعلما من قبل خالق السماوات والأرض سبحانه وتعالى. وأحاول في هذا المقال عرض عدد مما استطعت إدراكه من ملامح الإعجاز العلمي في هاتين الآيتين الكريمتين على النحو التالي: (1) اللمحة الإعجازية الأولى: صورة من سفينة الفضاء جاليليو توضح طبقة النهار على كل من كوكب الأرض والقمر ويرى نصف كل منهما المواجه للشمس منيرا فى ظلمة الكون، والصورة الثانية مأخوذة من مكوك الفضاء تشالينجر لرائد الفضاء بروس ماكاندليس يدور حول كوكب الأرض فيرى نور النهار خيطا أزرق دقيقا فى ظلمة الكون. وقد وردت في قول الحق تبارك وتعالى: { ولو فتحنا عليهم باباً من السماء..}ما يؤكد أن السماء ليست فراغا كما كان يعتقد الناس إلى عهد قريب، حتى ثبت لنا أنها بنيان محكم، يتعذر دخوله إلا عن طريق أبواب تفتح للداخل فيه. والسماء لغة، هي: كل ما علاك فأظلك. واصطلاحا، هي: ذلك العالم العلوي الذي نراه فوق رؤوسنا بكل ما فيه من أجرام. وعلميا هي كل ما يحيط بالأرض من مختلف صور المادة والطاقة، بدءً من غلافها الغازي وانتهاء بحدود الكون، والذي أدرك العلماء منه مساحة يبلغ قطرها24 ألف مليون سنة ضوئية علي الأقل أي حوالي (2282110 كيلو متر) وأحصوا فيه أكثر من مائتي ألف مليون مجرة من أمثال مجرتنا المعروفة بإسم سكة التبانة، أو درب التبانة، والتي أحصي العلماء فيها حوالي مليون مليون نجم كشمسنا، والكون فوق ذلك دائم الاتساع إلى نهاية لا يعلمها إلا الله سبحانه وتعالى. وقد ثبت مؤخرا أن السماء مليئة بمختلف صور المادة والطاقة التي انتشرت بعد انفجار الجرم الكوني الأول، والذي كان يضم كل مادة الكون، ومختلف صور الطاقة المنبثة في أرجائه اليوم، وذلك عند تحوله من مرحلة الرتق إلى مرحلة الفتق، كما يصفهما القرآن الكريم : {..أن السموات والأرض كانتا رتقاً ففتقناهما..}(الأنبياء:30) ويقدر علماء الكون أن ذلك قد حدث منذ فترة تقدر بحوالي العشرة بلايين من سنة على أقل تقدير. وعند انفجار ذلك الجرم الكوني الأول، تحولت مادته ومختلف صور الطاقة المخزونة فيه إلى سحابة هائلة من الدخان ملأت فسحة الكون، ثم أخذت في التبرد والتكثف بالتدريج حتى وصلت إلى حالة من التوازن الحراري بين جسيمات المادة وفوتونات الطاقة، وهنا تشكلت بعض نوي الإيدروجين المزدوج ( الديوتريوم) وتبع ذلك تخلق النوي الذرية لأخف عنصرين معروفين لنا، وهما الأيدروجين والهيليوم، ثم تخلق نسب ضئيلة من العناصر الأثقل وزنا. وبواسطة دوامات الطاقة التي انتشرت في سحابة الدخان التي ملأت أرجاء الكون، تشكلت السدم، وهي أجسام غازية في غالبيتها، تتناثر بين غازاتها بعض الهباءات الصلبة وتدور المادة فيها في دوامات شديدة تساعد على المزيد من تكثفها في سلسلة من العمليات المنضبطة حتى تصل إلى مرحلة الاندماج النووي التي تكون النجوم بمختلف أحجامها، وهيئاتها، ودرجات حرارتها، وكثافة المادة فيها، ومنها النجوم العادية أو نجوم النسق الأساسي المفردة والمزدوجة، والمستعرات الشديدة الحرارة( العمالقة الحمر والعمالقة الكبار) والنجوم البيضاء القزمة، ومنها النجوم النيوترونية النابضات منها وغير النابضات (التي تصل كثافة المادة فيها إلى خمسين بليون طن للسنتيمتر المكعب) وأشباه النجوم ( التي تقل كثافة المادة فيها عنها في شمسنا ومنها الثقوب السود التي تصل كثافة المادة فيها إلى مائتي بليون طن للسنتيمتر المكعب) والثقوب الدافئة وغير ذلك من أجرام السماء مما يشكل المجرات والتجمعات المجرية، وغيرها من نظم الكون المبهرة. ومن أشلاء النجوم تكونت الكواكب والكويكبات، والأقمار والمذنبات، والشهب والنيازك، والأشعات الكونية التي تملأ فسحة الكون بأشكالها المتعددة، وغير ذلك مما لا نعلم من أسرار هذا الوجود. وقبل سنوات قليلة لم يكن أحد من الناس يعلم أن السماء على اتساعها ليست فراغا، ولكنها مليئة بالمادة على هيئة رقيقة للغاية، تشكلها غازات مخلخلة يغلب على تركيبها غازا الإيدروجين والهيليوم، مع نسب ضئيلة جدا من الأوكسيجين والنيتروجين، والنيون، وبخار الماء، وهباءات نادرة من المواد الصلبة، مع انتشار هائل للأشعات الكونية بمختلف صورها في مختلف جنبات الكون. ولقد كان السبب الرئيسي لتصور أن الكون فراغ تام هو التناقص التدريجي لضغط الغلاف الغازي للأرض مع الارتفاع عن سطحها حتى لا يكاد يدرك بعد ألف كيلو متر فوق سطح البحر. ومن أسباب زيادة كثافة الغلاف الغازي للأرض بالقرب من سطحها هو إنطلاق كميات هائلة من بخار الماء وغازات عديدة أغلبها أكاسيد الكربون والنتروجين من جوفها أثناء تبرد قشرتها، وعبر فوهات البراكين التي نشطت ولا تزال تنشط على سطحها وقد اختلطت تلك الغازات الأرضية بالسحابة الغازية الكونية، وساعدت جاذبية الأرض على الاحتفاظ بالغلاف الغازي للأرض بكثافته التي تتناقص باستمرار بالبعد عنها حتى تتساوى مع كثافة الغلالة الغازية الأولية التي تملأ أرجاء الكون وتندمج فيها. |