اهتدى عصرنا الى الاعتراف بأن الفشل الكبير والاستثنائي يستحق التكريم، فمنحت جوائز لأسوأ ممثل في السينما، وأردأ كاتب في الادب والصحافة، وصار هناك ايضا ملكات جمال في القُبح، والنخب العربية سواء كانت سياسية او اقتصادية او ثقافية حققت مستوى من الرسوب في العديد من الامتحانات، تستحق عليه جوائز ثمينة. والحياة العربية الآن، سواء احتكمنا الى قراءتها سايكولوجيا او بالارقام، هي عالم سفلي بامتياز فالعربي الذي بدد ماءه وذهبه الاسود وحريته واخيرا استقلاله اقعى على قارعة التاريخ يتسول خبزا وسلاما وحداثة. لكنه لم يظفر حتى الان الا بالتنكيل الذي لحق به. ان الرسوب بامتياز يؤهل اصحابه لدخول اكاديمية الجحيم، بكل ما تعج به اروقتها من جرحى ومعذبين ومضروبين على اقفية رؤوسهم، حيث كل شيء يتحول الى فخّ. قد يظن البعض ان التشاؤم المبالغ فيه والتجنّي هما ما يدفعنا الى مثل هذا التعميم، لكن، يعلم الله، اننا ننبش الكتب سطرا سطرا والاحصاءات رقما رقما، والصحف فاصلة ... فاصلة كي نعثر على ما يقلل من مخاوفنا، ويهدىء من روعنا ازاء مستقبل يتربص بهذه الملايين »المُملينة« من العرب المعاصرين والمعصورين حتى آخر قطرة، فلا نرى الا ما يضاعف من الخشية على احفادنا وترابنا، وتراثنا، وكل ما له صلة بهويتنا من المسؤول عن هذا المصير؟ هل هي النّخب الضالة التي قايضت التاريخ والجغرافيا بمصالح آنية، ومكاسب عاجلة ام هم الناس برمتهم وقد اركنوا الى اللامبالاة وتوكلوا، ولم يعقلوا؟ اننا جميعا بحاجة الى قدر من المسافة كي نرى التصدع في الجدار والمرايا، وحتى في وجوهنا، فالاستغراق واللهاث المحموم، وجري الوحوش من اجل لا شيء، هي عناصر تغريبة جديدة يعيشها العرب من محيطهم الى خليجهم، ومن دمهم المسفوك الى مائهم المسروق!