تضم كل طائرة صندوقا اسود »هكذا يسمونه« ولا اعرف اذا كان اسود ام احمر ام فوشيا. لكنه يسمى جدلا اسود، ربما لانه يكشف اسرار سقوط الطائرة او انفجارها، ويحدد الكثير من الاسباب التي ادت الى تلك الكارثة، عن طريق الاستماع الى اخر التسجيلات من الاحاديث والاحداث والاوامر الفنية بين ربّان الطائرة والمراقبات الارضية والمطارات، او بين الربان وباقي الموظفين في الطائرة. هذا الصندوق - كما يبدو - لا يفنى ولا يتضرر من جراء سقوط الطائرة او انفجارها. يا الله!! كم سنكون اكثر امانا وراحة وديمقراطية وشفافية لو زرعنا صندوقا اسود في جسد كل مسؤول عربي ، يسجّل ادقّ تفاصيل حياته الرسمية، حتى نستطيع الحكم عليه بموضوعية او حياد في حال سقوطه او تعديله او اقالته، المسؤول سيكون مستفزّا باستمرار لانه يعلم ويدرك ان جهاز رقابة لا يرتشي ولا يغش ولا يدهلس مزروع في جسده، وان هذا الجهاز سيكشف اية ازدواجية في حياته العملية بين ما يقول وما يمارس بين ما يضمر وما يصرح، بين ما ينتمي اليه جهارا وما ينتمي اليه سرا. قد يقول البعض بأنها فكرة غير ديمقراطية، او انها تفترض السوء بالمسؤول اكثرمما تفترض الصدق والطيبة، لكني اعتقد انها فكرة ديمقراطية تماما، فما دام المسؤول رضي بوزر المسؤولية العامة ويستطيع التحكم، او المساهمة في التحكم، بمقدرات الدولة واموال دافعي الضرائب »الشعب، على سبيل التذكير« فان من حق المواطن ان يعرف، ولو متأخرا، ما اذا كان هذا المسؤول اهلا للامانة، ام انه خانها واستغلها لاغراض شخصية او ضيقة. هذه الطريقة تغلق الطريق امام الاعداء والصحافة »الصفراء« كما يسمونها، ومراكز القوى المتنازعة، حتى لا تشوّه سمعة احد بدون وجه حق. انه مشروع ضخم، ويحتاج الى متبرعين لدراسة المضاعفات الجانبية، واعلن نفسي متبرعا تحت التجربة لزراعة صندوق اسود في جسدي، مع انني لست مسؤولا حتى عن نفسي.