توهمت أن الطريق لبغداد مأهولة بالمياه فأسرجت قلبي .. ويممت وجهي إلى نجمة في السماء ، ودالية في الشمال هكذا كان بدء الطريق المُسيج بالنار قبل احتراق الرجال وكان إذا ينحني خطونا : أزهرت فسحة وانتشى البرتقال وكنّا إذا تَعِبَ الخطو : تغدو الرمال حصيراً من العشب والشمس رغم هجير الظهيرة تغسلنا بالمياه وتنسج من غابة الشوك ثوب الظلال فجأةً : قامت الريح والنار فاستيقظت جمرة الإنخذال ! فبغداد بين المها والنهى وزعت "كرخها والرصافة " واستعذبت كأس عار الجحود وسيف المغول نلتقي ؟ ربما ..... غير أن الحقول التي كنتِ أنهارَها غادرتها الفصول فنام على الكرخ سَبْيٌ وفوق الرصافة صخر الذهول * * * وأودعت سيفي لدى النهر أبدلت وجهي القديم بوجه جديد لأني خجلت من السيف ... من حمحمات الخيول مضيت أفتش عن زمني بين أوراق حزني وتحت حطام الطول وهاجرت .. في كوزي النهر خبأت خلف الضلوع الوطن وحين عبرت الحدود : انتبهت إلى بركةٍ في الطريق .. اغتسلت ، وكحلت عيني بالضوء قلت لعل العراق سينفض هذا السخام وتصهل كل خيول الفرات ، وأن النخيل يَدُكّ الوثن صعدت على تلة في العراء .. ويممت وجهي إلى شرفة في العراق : رأيت المشانق سارية ، والكفن يرفرف ! يا زمن العار ، صار الأسى راية للوطن وصار العذاب قميص الزمن ! * * * وما راعني غير قومي ... وهل غير قلبي الذين يسكنون ؟ هربت وكل الدروب مسيجة بالظلام .. المنافذ ملغومة بالرصاص ومن خلفي المخبرون أخبيء خلف الضلوعِ العراقَ ، وأهل العراقِ وراء الجفون فبغداد تأكل أبناءها الطيبين .. وتضفر من شعرها حبل شنقي ، يداعب أثدائها المارقون وبغداد ما أنصفت حينما أنصف الراحلون وبغداد ترقص بين صهيل الخيول ، وبين رنين المجون وبغداد لم تعرف الغدرَ كيف ارتضت أن تخون ؟