| أحلام الخيال. وقف " بعربته " منادياً بأعلى صوته على المارة يعرض بضاعةً من البرتقال، جلس على عتبة باب البنك المواجه للجامعة الجديدة جلس فمد يده إلى جيب معطفه المرقع فأخرج قداحته ليشعل سيجارة غير مكتملة واضعاً رجلاً على رجل متكيفاً مع الدخان الخارج من فمه، مترصداً تحركات الناس الذين يمشون أمامه راسماً من ابتسامته الساخرة بروازاً لشاب عجوز قلبه انحنى، اقترب منه طالبٌ خارج من الجامعة يسأله عن سعر البرتقالة الواحدة ردّ عليه، وهو ينفخ دخان سيجارته بشكل متقطع: ـ خمسون ريالاً من أجل نكسبك زبوناً . دفع ثمنها، وبدأ في تقشيرها، وأثناء صعوده الباص اصطدم بعربته فتساقطت حبات البرتقال، تفرقت على الأرض اشتط وجهه غضباً، وأطفأ سيجارته التي لم يبق منها شيء، انحنى يجمع البرتقال المتساقط على الأرض، وصوتهُ الغضوب مرتفع لسوء التعامل بين الناس، وبينما هو مشغول بلم حبات البرتقال وقفت فتاة يفوح من لثامها جمالٌ صنعاني ممزوج بعطرها الأخاذ رفع رأسه إليها وارتفع مسرح أحلامه على شواطئه المشتاقة زورق الأوهام، ارتفع نبض قلبه، فجرى الدم في عروق وجهه فاحمرّ، وكأنه أصيب بحمى، سألته بصوتٍ رقيق عذب كخرير ماءٍ عند الغروب : بكم الكيلو..؟ . الكيلو (.........)، وعلى شأنك (.........) تقلبُ بأناملها المطلي على أظافرها طلاءً زادَ جمال يديها سحراً فتاناً، وكلّ ما تختارهُ من البرتقال تضعه في الميزان، لامستْ يدها يديه، ارتعش جسده النحيل المنهك من التجولِ بين الشوارع لبيع البرتقال، وبعد الفرز وضعَ البرتقال في الكيسٍ ومدّتْ له بالمبلغ المتفق عليه برغم استحيائه أن يمدَّ يده المتشققة. ذهبتْ ورائحة عطرها مازالت تدورُ حول أنفه الذي ما اعتاد على شمٍ مثل هذه الروائح، فترسبتْ في عينيه صورة خرساء تبحث عن كوكب يطول فيه فصل الشتاء، جلس بجانب العربة والحيرةُ تعصرهُ فإذا بدمعةٍ باردةٍ تنحدرُ بهدوء على ملامح صورته، تمزقتْ واندثرت، بحثَ عنها بين زحمة الناس فلم يجدها، رحلَ من مكانه تاركاً صورته في زمن تذوبُ فيه أحلام الخيال. |