عبد الباري عطوان ربما لا نبالغ إذا قلنا إن أزمة أرييل شارون، رئيس الوزراء الإسرائيلي، أعمق بكثير من أزمة الشعب الفلسطيني، الذي أعاد احتلال مدنه، وأراضيه، واعتقل المئات من أبنائه، لسبب بسيط وهو أن مثل هذه الاحتلالات لن توقف العمليات الاستشهادية، ولن تحمي المستوطنات من عمليات اقتحام جديدة، ولن توفر الأمن والطمأنينة للإسرائيليين مهما بلغت الاحتياطات الأمنية من دقة. فشارون، وبكل بساطة، يتخبط في أفعاله ولا يعرف حقيقة ما يمكن أن يفعله للسيطرة علي الأوضاع المتدهورة، فتارة يبني أسواراً شائكة عالية علي طول ما يسمي الخط الأخضر، وتارة أخري يفرض الحصار مجدداً علي الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات، وتارة ثالثة يرسل دباباته لإعادة احتلال مدن الضفة وقراها، ويستدعي المزيد من قوت الاحتياط لهذا الغرض. الفلسطينيون يستطيعون تحمل دائرة العنف هذه، والتعايش مع الاحتلالات الإسرائيلية، ليس لأنهم من نسل الملائكة، وإنما لأن كل هذه الممارسات ليست جديدة، فمنذ سبعين عاماً وهم في مواجهة مع المخططات الاستيطانية اليهودية، ولكن الإسرائيليين، وعلي عكس ذلك تماماً، من الصعب عليهم العيش في ظل رعب العمليات الاستشهادية، وأعمال المقاومة، ولهذا تتزايد الهجرة المعاكسة للبشر ولرؤوس الأموال في الوقت نفسه. أخطر شيء فعله شارون بالنسبة إلي الإسرائيليين هو أنه حول المقاومة الفلسطينية من عنف منظم، ومسيطر عليه، إلي عنف خارج عن السيطرة، وأطلق رصاصة شبه قاتلة علي الأداة القمعية الوحيدة التي يمكن أن تمنع العمليات الاستشهادية، وهي قوات الأمن الفلسطينية، واتفاقات أوسلو التي أنجبتها، وحددت لها هذا الدور البشع. ہ ہ ہ الشعب الفلسطيني هو الوحيد الذي يقول لا كبيرة، وقوية، للولايات المتحدة ووكلائها ومشاريعها في المنطقة، وهو بلاشك مدعوم بالشعوب العربية الأخري التي تمردت علي سياسات حكامها، وتبنت مقاطعة البضائع الأمريكية في أول خطوة عملية علي طريق العصيان المدني. فعندما أوعزت الإدارة الأمريكية إلي مثلث الخير لعقد قمة في شرم الشيخ، واتخاذ الخطوات لمنع العمليات الاستشهادية، وإدانة المقاومة باعتبارها عنفاً، ضاعفت فصائل المقاومة الفلسطينية من عملياتها الاستشهادية منذ ذلك التاريخ، لإبلاغ الرئيس بوش رسالة واضحة مفادها: إن مرجعية الشعب الفلسطيني وثورته ليســـتا في الرياض أو القاهرة أو دمشق، وإنما في داخل الأراضي العربي المحتلة، وأن العمليات الاستشهادية لا تتوقف بـ الروموت كونترول من هذه العاصمة العربية أو تلك. ويخطئ الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات إذا اعتقد أن تراجعه عن رفض مشروع الرئيس بيل كلينتون، وقبوله ما رفضه في كامب ديفيد ، يمكن أن يدفع الإدارة الأمريكية إلي تغيير رأيها فيه، وإعادته إلي الخريطة السياسية الأمريكية مجدداً، لأن هذه الإدارة تتبني سياسات شارون، وبدأت فعلاً في البحث عن قيادة فلسطينية بديلة. فالقبول بمشروع كلينتون يعني إسقاط حق العودة لستة ملايين فلسطيني، وسيادة منقوصة علي القدس، ومنطقة عازلة علي الحدود مع الأردن، وبقاء المستوطنات الكبري وطرقها الالتفافية، وقيام دولة فلسطينية منزوعة السلاح والكرامة الوطنية تعيش كزائدة دودية ملتصقة بالقولون الاستيطاني الإسرائيلي. فمن المفترض أن تدفع الانتفاضة الحالية بعد كل التضحيات الهائلة، والإنجازات الكبري التي حققتها، الرئيس الفلسطيني إلي المزيد من التشدد، والإصرار علي تطبيق قرارات الشرعية الدولية، ولكنه للأسف الشديد يفعل عكس ذلك، وعكس ما يريده الشعب العربي الفلسطيني نفسه. الأمر الذي يجعلنا نتساءل عن مدي استشعار الرئيس الفلسطيني لمواقف هذا الشعب ورغباته، فكيف يقدم شخص معتقل مثله، لا يستطيع مغادرة مكتبه، علي اصدار الاوامر لاجهزته الامنية باعتقال عناصر من حماس والجهاد الاسلامي؟ ہ ہ ہ إننا نخشي أن يكون الرئيس الفلسطيني بات متأثراً ببعض مستشاري السوء الذين يعملون من أجل بقائهم من خلال بقائه، ومن بعض التيارات النخبوية التي عبرت عن نفسها مؤخراً من خلال عريضة تعارض العمليات الاستشهادية وتطالب بوقفها فوراً لأنها تضر بمصلحة الشعب الفلسطيني ومشروعه الوطني للوصول إلي الدولة المستقلة.
ولا يجادل أحد في حق موقعي العريضة، وعلي رأسهم الدكاترة حنان عشراوي وسري نسيبة وإياد السراج، في طرح أفكارهم السياسية بكل حرية، ولكن ربما يفيد التذكير بأن معظم موقعي هذه العريضة ليسوا علي تماس مع رأي الأغلبية، وقاع المجتمع الفلسطيني، ولا يعانون عُشر ما يعانيه هؤلاء، من جوع، وحرمان، وإحــباط. فالذين يتزنرون بأحزمة الديناميت، من فتيات وفتيان، ويفجـــرون أنفســهم وسط التجمعات الإسرائيلية، يأتون في الغالب من دهاليز مخيمات اللجوء المظلمة، ومن أحياء الصفيح علي حواف المدن. ولا يشاهدون محطة سي.إن.إن . مرة أخري نؤكد أن المأزومين حالياً هم أمريكا وحلفاؤها من إسرائيليين وعرب، أما الأغالبية الساحقة من العرب فليس لديها ما تخسره، ولن تخرج من هذه الأيام العصيبة إلا منتصرة، فالانهيار اقترب من القاع ولم يعد هناك من خيار آخر غير الصعود.