مع صورة الطبيعة البديعة ، عايشت مسترجعة أيام الماضي الراحل ، أتصفح في أجندة ذكرياتي القديم ، ورقات البسمة ، وأقرأ سطور المتعة ، وأستعرض صور المسرّة ،
فأخذت النسمات تلاعب خصلات شعري لعلها تحرك الفرحة التي ضمرت في القلب منذ زمن ، وبدأت الأمواج تتنافس لتلامس أنامل قدمي لتنعش مشاعر تذوق الحياة التي تلاشت منذ أمد ، وراحت الطيور تحلق فوقي ، وتمرح على صفحة الماء ، لتقطع خط التفكير الذي ما انحنى ذهني عن خط امتداده، وتبعثرت كسرات المياه التي تناطح الصخور لترتمي علي ، محاولة نفض أعضائي الجامدة ، وفاحت الزرقة من فوقي ومن تحتي ، لتشعرني أن للحياة لون آخر غير لون العتمة ، ولكن بدون جدوى ، فأنا كما أنا حينما جلست ، رغم مرور فترة ليست بالقصيرة في هذه البقعة ، التي جلست اللاعب فيها ذرات الثرى المبتل ، ولا أتحدث مع البحر إلا بذكريات الماضي الجميل ، وفي كل مرة تأتي الأمواج لتمحو صورة الألم ، لا تلقى مني إلا زفرة الآهات التي أحملها إياها ، علّي أخفف عن كاهلي ثقل الحنين إلى دياري..
وأخيرا قمت من مكاني تاركة بصمات على لوحة الرمل ، رسمت عليها ، طريق دارنا ، ومسجد حينا .
ظننت حينما جلست أمام الجمال الكوني ، أن يأسر دواخلي ، مما لا يسمح لها أن ترافق تفكير آخر ولكن علمت بعدها أن الجمال المظهري يحتاج إلى جمال جوهري ليراه ، وقد فقدت هذا الجمال بعد الغربة المرّة.
أسير وقد ابتعدت عن المكان بخطى متثاقلة ، وأحاسيس مغتصبة ، أزاور أوكار همومي ، بداخل أعماقي التي ضجرتُ من مزاورتها ، وليس لي غيرها أزاوره.
وبعد لحظات من التفكير العقيم ، يتفاقم الهم ، ويتكالب علي ليسبب لي ضغطا على قرار أجد نفسي تتردد في اتخاذه ، حينما استعرض صعوبة قبول الواقع له ، فكيف أرحل وأرضي لم تعد الوطن الحنون ، الذي يوفر لك لقمة عيشك ، ولا استقرار نفسك ؟!!
فلا أملك إلا أن أتنفس الصعداء ، وأقلب بصري في مكان سيري ، وقد شعرت أني سأموت تحت ركام هذه المباني الشاهقة ، أو تحت تراب الكنائس الكالحة .
سقطت عيني من قمم المباني مستمرضة من يأس أثقل خفتها ، فوقعت على ما طرحها رهينة الجمود ، فمنظر التعري والتفسخ الذي فشى في كل أنحاء المعمورة ، لمنظر يسقم القلب ، ويضعف النفس ، ويبكي الفطرة . أغمضت مقلتي رحمة بنفسي ، من ثرثرة العين
وشعرت بغصة بأحشائي ، فما أمرُّ أن يعيش الإنسان الغربتين ، غربة الدين ، وغربة الدور . وما إن عاودت هذا الهم إلا وانسدلت قائمة الصور ، من أصوات الآذان المكبر ، وغفير المصلين ، وجموع المستمعين لحلقات الذكر ، وترانيم التآلين لكتاب الله ، وأجد نفسي تستعرضها بسعادة ما تكاد تصل إلى نهاية مخاضها حتى تولد ميتة عند التفكر في صورة حجاب العفيفات ، وأقف هنا بين واعظ الضمير ، ومراوغة النفس ، ففي كل مرة أهادن صوت التأنيب بقرب مجيء موعد التوبة ، لأحفظ على وجهي بقية من ماء الحياء أمام صبر العقل الذي أبى التبعية ، والانهزامية النفسية ، ولكن ملّ العقل الإقناع ، وسأم الضمير التوبيخ ، حتى ارتفعت حرارة الصبر ، ورفض العقل كل تبرير ، وقطع كل مهلة ، وأصر على التنفيذ بدون أدنى مماهدة ، ولا أقل مسايسة ، وسقطت خلافة الحجج الواهية ،وانصغت لولاية العقل ، وقررت العودة إلى طهري بتعجب أرى ملامحه من نفسي في الانصياغ المستسلم، وكنت قد قاربت الوصول إلى بيتي ، فأسرعت الخطى خوفا من عودة التردد ، فصعدت غرفتي لأفتح صندوق ملابسي فأخرجت منه قماش عفتي الذي هجرته منذ اغترابي ، وبحركة المتلهف ارتديته ، والتففت حول نفسي كعروسة في يوم زفافها ، فشعرت بشعور لطالما كان لي حلم وهو العودة ، ولكن هذه المرة لم تكن العودة إلى الدور ولكن إلى الدين ، ولم أتمالك نفسي بأن حمدت الله شاكرة وسائلة كما أعادني إلى رشدي ، أن يسكنني في وطن ولم يخطر بخلدي هذه المرة إلا وطن الخلود عنده .
