كلما اشتد ساعد المقاومة كانت هناك مذبحة. من ايلول الى بيروت ومن ثم الى رام الله. والثابت في هذه المسيرة هو التضحيات وارتفاع سقف الكفاح الشعبي. اما المتغير فهو موقف القيادة. ففي اكثر من مرة آثرت القيادة الحياة على الشهادة. آثرت متسادا على كميونة باريس. اما اليوم، فهو الاختبار الاخير. ودون رجوع الى الماضي لمحاكمته في هذه اللحظة، فإن المطلوب من قيادة الحكم الذاتي الارتفاع الى مستوى الموقف الشعبي. فرغم مذابح العدو جسديا واقتصاديا ومعنوياً، فإن الشارع بصدد تمسك اكثر بحقوقه. لذا، فالسبيل اما سلطة الحكم الذاتي يجب ان لا ينزل لما هو أقل من انسحاب العدو من كافة المناطق المحتلة عام 1967 والاصرار على حق العودة. وإذا رفض المعتدي (مجسدا في جيش الاحتلال واسلحة واموال الولايات المتحدة وقيادات البلدين)، فعلى قيادة الحكم الذاتي اختيار طريق يليق بدماء الشهداء وعذاب الثكالى. فهذه المرة لن يكون هناك من يرحم. ولن يشفع لهذه القيادة توسطات هذا المبعوث او ذاك، ونصائح هذا "العاقل" الرسمي العربي او ذاك. كلنا تحت الاحتلال، وكلنا عرضة للقتل، فإما هي أو الموت. لقد أدت النصائح والوساطات الى مدريد وأوسلو. وها نحن ندفع كلفة أوسلو دما وموعاً. لم يكن من المبالغة وصف اتفاق أوسلو انه حالة ما بين الاحتلال والاستقلال. والاستقلال لا يعني التحرير بالطبع. فما من دولة قطرية عربية الا ومستقلة سياسياً، لكنها جميعا تابعة. بموجب اتفاقات أوسلو تسلمت السلطة الفلسطينية من الاحتلال قرابة 20% من الضفة والقطاع واسمتها المناطق المحررة. اما العدو فاسماها مناطق الحكم الذاتي بمعنى انه هو الذي "منحها" حكماً ذاتياً وهو الذي يمكنه خلع هذه المنحة. ومقابل هذا تمكن الغرب الراسمالي من تدمير العراق. اما تجربة العدوان على كافة مناطق الحكم الذاتي وإعادة اخضاعها للاحتلال المباشر فأكدت انه لم يكن هناك أي استقلال. ولم يبق "مستقلاً" بمفهوم أوسلو سوى مكتب الرئيس الفلسطيني! وفي الوقت الذي نزلت المؤسسة الامريكية الحاكمة عند تعطش الصهاينة لشرب الدم الفلسطيني اصدرت هذه المؤسسة عبارة عن "دولة لسطينية". لم يكن هينا على الكيان الصهيوني ان يرى سيده وصانعه الامريكي يذبح الشعب الفلسطيني دون ان يقوم هذا الكيان بعمل من نفس النوع. وحيث تواكب الحدثان معاً، وتزامنا مع إرسال ديك تشيني كي يشرح للحكام العرب خطة ذبح العراق، وارسال الجنرال زيني لوقف اطلاق النار بيننا وبين الكيان الصهيوني، يمكننا القول، ان الصفقة نفسها تُعاد من جديد، أي : تدمير العراق مقابل دولة بمساحة مكتب الرئيس. تدمير قطر عربي مركزي مقابل استقلال شكلي على بضعة أمتار!. ومرة أخرى، لا تكرروا تجربة بيروت. وإذا كنا قد خسرنا في بيروت موقعا في لبنان، فإن المساومة اليوم قد تكلفنا فلسطين والعراق معاً.