تفرق آخر شباب الشله من حوله . اصبح وحيداً الآن تماما . وتأكد بأن شبح النحس يلازمه فعلا ، وان حظه العاثر سيظل عاثرا الى ماشاء الله. في الواقع لم يكن بحاجة الى برهان ، فالمسأله بدت واضحه له وضوح الشمس في كبد السماء منذ ..متى بالضبط ؟؟؟ منذ ان بدأت (( الحكايه ))...
لم يعتبر نفسه يوما شخصا سيئ الحظ ..اتم سنوات تعليمه الثانوي بتفوق ، ودخل الجامعه . وفوجئ بنفسه يرسب بسبب فرق ضئيل في علامة احدى المواد الرئيسيه في الامتحان النهائي . لم يصدق ، فالماده كانت شفويه ، والاسئله التي وجهها له الدكتور كانت سهله ، وقد اجاب عليها جيدا ، وافاض في الاجابه ، وبدا الدكتور مسرورا ووعده بعلامة ممتازه... ماالدي حدث اذن ؟؟!! استنجد بالدكتور واستنجد بالاداره ، وكانت الصدمة الثانيه : احدهم اخطاء في نقل العلامه ولا يمكن استدراك هذا الخطاء ، ولا كشف هوية المسؤول عنه ، لان في ذالك احراجا ، ليس فقط للاداره ، وانما للجامعه ككل ولااسمها وسمعتهاا. صرخ .. وهاج ..وماج ..وبكى ، ..ووجد نفسه يعيد السنه وانفه في التراب ..... لم ينس تلك الحادثه ، اصبح همه الحصول على شهادته بتقدير ممتاز يرميه في وجوه الذين انتقصوا من قدره وضحكوا على ماصابه ... غرق في المذاكره ، ولم يلقي بالاً للشباب الذينبدأوا يشكون من قلة فرص العمل ، كان يعيش على كوكب آخر ينشر كتبه واوراقه امامه ، ولا يكاد يحس بالشلة المتحلقه قربه ..تتعالى اصواتهم متحدثين عن بطالة اصحاب الشهادات ، محذرين من خطر الانغماس في الحياة الاكاديميه داخل مبنى الجامعه ، مشجعين بعضهم بعضا على البقاء على صـــــلة بسوق العمل .... وبدأت اعدادهم تتناقص ، ترك اثنان الجامعه في منتصف السنه الثالثه ، والتحقا في العمل باحدى الشركات ..و اختفى ثالث ايضاً .. وفي السنه الاخيرة ، توالى انسحاب الشباب ، ولم يعبأهو ، انجز بحثه ، وحضر امتحاناته وحصل على الشهــــــــــادة المنتظرة اخيراً...... بلغت نشوته ذروتها.. وضع الشهاده داخل اطار فاخر ، وعلقها امام سريرة لتكون اول مايفتح عينيه عليه كل صباح ..... لم يستعجل التفكير في ماسيفعله بعد ذالك .. بدت الخيارات متعدده امامه .. بامكانه ان يواصل دراسته العليا او ان يسافر للخارج... امامه وقت طويل لتحديد مايريده ..هذا ماعتقدة.. رأى شلته تتفرق ، والاصدقاء يتعلقون بأول فرصه تلوح امامهم .. ولم يشعر باالقلق... تعجب فقط من استعجالهم ... وابتسم بزهوً لنفسه.. فلا احد من الشباب حصل على تقدير كتقديره ، ومن المؤكد انهم سيتعبون في العثور على رب عمل ترضيه شهاداتهم.... بدأعام آخر وهو لم يحزم امره بعد .. قرر ان يقدم اوراقه لمتابعة دراسته العليا ، ويفكر في العمل الذيسيختارة ..بعد ذالك ..وكانت الصدمة الثالثه ، لامكان له بين طلاب الدراسات العليا.. المترشحون كثر ، والمقبولون قله والبلاد مليئة بالدكاتره العاطلين، ولا حاجة لاضافة جحافل جديدة تزيد الازمه تفاقما.. الازمه ؟؟ اية ازمه ؟؟ تسأل بغباء ، وادارة الجامعه ترد اوراقه ، وتعتذر ببرود عن عدم قبول شهادتة الممتازه ..اين تعيش ياستاذ ؟؟ اية ازمة ؟؟ البطالة طبعاً .. استيقظ !! البطاله ؟؟ ابتسم بثقة.. انها لاتعنيني ..انا لست أي طالب متخرج ، انا انتمي للنخبه ، نخبة المتفوقين .. انظروا لعلاماتي .. اقرأوا شهادتي .. ابتسامات مشبوهه، غمزات ، واسئله تقطر سخريه ومرارة . واين كنت الى الان ؟؟ قدم الناس ملفاتهم منذ شهور يااستاذ . ومن يدعمك ؟؟ كم رساة توصيه تحمل؟؟ من والدك ؟؟ عادت الاوراق والشهادة الى البيت . لايهم . لايريدون الاعتراف بتميزة!! سيجبرهم على ذالك بطريقه او بأخرى . سيجد منصباً رفيعاً يليق به ، وسيضغط عليهم ، سيرون .... بدأت رحلة البحث عن عمل لائق . وكانت الصدمة الرابعة : اينما ذهب .. لامناصب شاغره . لااحد يقرأ اوراقه ، بالكاد ينظرون اليها ، ثم يحدقون ببرود في وجهه ، وهندامة..الاسم غير معروف ، الهيئه بسيطه ، اذن لاينفع .. زمن الالشكليات تجلى له فجأه في افضع صوره ..تذكر ابن البقال ، زميله القديم وعضو الشله النشيط ، كان من اوأل المحظوظين الذين عثرو على عمل جيد في بنك اجنبي معروف.. محظوظ ؟؟!! لا ... لا..يرى الآن جليا انه كان ذكياً ،وان الحظ كان امراً ثانوياً في حالته.. كم كتن يزدريه ويسخر منه عندما كان يدخر منحةالدراسه لآخر العام ، وينفقها على هندامه ، راس مال عمله المقبل ، كما كان يقول .... ماذا يفعل الآن ؟؟ لا العمل وجده ، ولا الدراسه استطاعها ، ولا حتى السفر.. السفر.... الهجره ، آه !هذه حكاية آخرى وصدمة جديده ..اينما ذهب يجد العقبه اياها.. لايمكن منحة تأشيرة دخول لا يملك شيئاً يضمنه : لا حساب بنكي ، ولا عمل ، ولا معارف ، اذن فليبقى حيث هو.. سيبقى اكيد .. انه سيبقى ، في نفس الركن ، في نفس الحاله ، في نفس الهيئه ، فجميع الابواب مسدودة امامه ..والشله تفرقت الآن عن آخرها ، وهو وحده ينظر كل صباح لأوراقه التي تكرمشت ، لملفه الذي اعوج وتهدمت جوانبه ، يتأمل بمرارة وحزن الى اطار شهادته الذهبي الجميل ، ولوحته الزجاجيه التي حطت فوقها طبقه غبار رقيقه يمسحها بحرص بطرف قميصه ..... وتدمع عيناه وهو يلمس قاع المهانه ولا يملك الا ان ينسحب ...