يا آباء العالم، شمشموا عرق الحياة تحت آباط أبنائكم، واشكروا الرّب أنهم لم يولدوا فلسطينيين، ويا زعماء هذا الكون، جددوا عقودكم مع الشيطان، واقلعوا العين التي تتجه صوبنا كي تتورط بالشهادة، وتبتل رموشها بالدم، الشهداء الفلسطينيون يجرون عربات الاسعاف بعد ان استشهد سائقوها، والطبيب يسقط على صدر الجريح الذي يستغيث به، والحياة على ما هي. ثمة من أفطروا وتجشأوا، واستعاذوا من اليهود ومضوا الى حوانيتهم، وثمة عساكر يفوق عددهم عدد الزيتون والنخيل على امتداد الوطن العربي المحتل أدوا التحية واستقالوا. الآن، على كل فلسطيني أخطأه القناص، وحامت الطائرة كالذبابة على مهد طفله أن يقترح لنفسه رقماً في مسلسل الشهداء، ولا تدري أية نفس فلسطينية ما اذا كان رقمها تسعة ملايين وستمائة ألف وتسعة وعشرين أو الواحد بعد المئتين وأربعين مليون عربي أعلنوا براءتهم من طفل ذبيح على ركبة أمه، ووقفوا طوابير ينشدون فيزا الدخول الى اسطبل العولمة. ما من واحد منا له أب يعرفه، وأم أرضعته الا ويعتذر الآن عن كونه حياً، يحمل جثته على كتفيه ويطوف بها الشوارع سائلاً عمن يفصل له ميتةً تليق باعتذاره، ان لا يكون المرء الآن محاصراً في مخيم طولكرم أو محمولاً على الأكتاف في دير الغصون، وملفوفاً بعلمٍ فذلك هو العقاب المؤجل، والشعور العميق بالخذلان والنذالة. ما من وقت للحب أو للمطر أو لزراعة الليمون، فالوقت كله للموت، وفلسطين هي مركز الموت وكل ما عداها ضواحيه. فليسرح التائبون عن عروبتهم وانسانيتهم وكرامتهم في الضواحي الرخامية، وليؤثثوا قبورهم بكل ما يروق لأعدائهم من أثاث السلام، حيث سكين المطبخ من خشب، ومقص الشوارب واللحى من نشارته. بالأمس كانت العين بصيرة واليد قصيرة، لكن العمى تسلل الى كل العيون الزرقاء والسوداء والعسلية، فصار كل شيء قصيراً، حتى أصبحت عشبة في المخيم أعلى قامة من برج. من ولد فلسطينياً، له الله وحده، وتلك الاشجار وما تبقى من أهلة تشهد على المذبحة. أما عربات الاسعاف، وسرادق العزاء الوثير فلمن ماتوا ويموتون كالبعير على فراشهم، ليشمشم كل أبٍ في هذا العالم أبناءه شاكراً الرب أنهم ليسوا من لحمٍ يستدر لعاب اليهود، لكن، ليعلم الجميع، أن وكلاء الموت هم وكلاء القيامة، وان من يموت عن الآخرين هو الذي عاش عنهم وتفضل على أحيائهم بما فاض من كرامة وشهادة ووجود.