اغبط الذين حددوا هويتهم الجسدية منذ البداية فاعتمدوا الشنب جزءاً طبيعيا من تضاريس وجوههم باعتبار أن الشنب هو رمز ملموس لمقومات الرجولة للرجل الشرقي.. أنا أيضا بدأت بشنب صغير في سن المراهقة وكان لا يزال صغيراً وناعماً وكثيراً ما كنت أحدق به في المرآة وأنا مفعم بفكرة إنني بلغت مبلغ الرجال. غير أن الأمر لم يدم طويلاً إذ سرعان ما أجهزت عليه بضربتين أو ثلاث من شفرة الحلاقة متمرداً على الفكرة من أساسها وهي إن الشنب ليس شرطا من شروط الرجولة على كل حال.. غير أن طوفان الشوارب (استخدم هذه الكلمة لأنني لا اعرف جمع شنب) الذي كان يحيط بي أينما توجهت جعلني ابدوا أنثويا بعض الشيء ومختلفاً فعدت على مضض أربى شنبا جديداً اصبح خشناً وكثاً بعد أن مرت عليه شفرة الحلاقة عشرات المرات منذ أن حلقته لاول مرة.. وهكذا أصبحت شاباً بشنب مرة أخرى.. غير أنني صادفت مشكلة عويصة وهي إن المسافة التي تفصل بين اسفل انفي وفمي متسعة بشكل واضح بحيث إذا سمحت للشنب أن يشغل كامل المساحة فإنه سيبدو كثاً وعريضاً أشبه بمكنسة من النوع القديم .. وهكذا وجدت نفسي أمام آمرين : إما أن اترك الشنب ينمو بحرية في تلك المساحة الشاسعة آو أن الجأ الى تشذيبه وتقليمه من كافة الجهات، الأمر الذي جعل من عملية التشذيب والتقليم عملية يومية مرهقة، وخاصة إنني كنت أحيانا أخطئ في إزالة الكمية الزائدة من الشعر هنا أو هناك الأمر الذي يجعلني في وضع لا احسد عليه وهنا أيضا كنت اغبط ذلك النوع من حملة الشوارب الذين يرزقون بشوارب طبيعية ضمن مساحات متوازنة بحيث لا يتطلب الأمر منهم أية جهود خاصة للظهور بمظهر لائق.. وهكذا ومستعيناً ببقايا التمرد القديم عدت وأجهزت عليه مرة ثانية وقررت أن أعيش بلا شنب حتى نهاية أيامي. وما عزز هذا القرار إنني أخذت أتعمق في علم النفس أتشرب بالنظر بان الحديثة، بحيث وصلنا الى أن الفروق بين الرجال والنساء ليست كبيرة الى هذا الحد . كان هذا بتأثير سيمون دو بوفوار في كتابها الشهير : (الجنس الآخر).. ثم فهمت أن في داخل كل رجل تكمن أنثى من نوع ما، وبالتالي فان الفصل الحاد بين الأجناس هي عملية لها علاقة بالتقاليد وليس بالعلم أو الواقع .. ثم ذهبت خطوة ابعد لإصل الى اكتشاف آخر وهو أن بداخل كل منا طفلاً ينبغي المحافظة عليه أيضاً. ولما كنت جاداً في تتبع واكتشاف الأنات الاخرى التي في داخلي غير أنا الذكورة ولما كنت أريد أن أحافظ على الأنثى التي في داخلي وعلى الطفل أيضا فقد ذهبت خطوة أخرى في طريق الديمقراطية , وفق الطرق الحديثة بحيث أدركت أنى إذا قمعت الأنثى في داخلي فإنني سأقمعها في الخارج وكذلك الأمر مع الطفل . ولما كنت متزوجاً ولي زوجة وأطفال فقد أخذت بمعاملتهم على قدم المساواة الكاملة متخلياً بشكل كامل عن سلطاتي الأبوية الممنوحة لي بموجب العرف والعادة والقانون والتقاليد وطبيعة الأمور..الى أن تحولت الأمور الى (شوربة) في البيت بحيث اختلط الحابل والنابل فضلا عن الضبط والربط.. هناك أدركت أنني بالغت في تطبيق الديمقراطية وإنني ذهبت بعيداً في مسألة التربية الحديثة وقررت أن (افرمل…) وأعود من جديد أبا مهاباً ورب بيت له الكلمة المسموعة والأمر المطاع . لكن الأمر لم يكن بهذه السهولة بعد أن تعود الأولاد على الديمقراطية من نوع سكر زيادة .. وهكذا وكخطوة رمزية شكلية قررت أن أضفي على مظهري العام شيئاً من المهابة ومن (الوهرة ) ، فتذكرت الشنب الذي قد يساعدني مجدداً على تغيير مسار الأمور، عائداً الى التقليدية مثل جميع الناس المحيطين بنا. وهكذا وخلال أيام قليلة ربيت شنباً حرصت أن يكون صغيراً في البداية تمهيداً لتكبيره وتفخيمه وفق تكتيك الخطوة خطوة.. ولكن بدل أن يخاف الأولاد فضلاً عن الزوجة من شنبي الجديد فوجئت بهم يشيرون إليه وهم يضحكون : بابا بشنب .. بابا بشنب.. وهكذا أدركت أنك إذا بدأت طريق الديمقراطية وحقوق الإنسان فإنه من المستحيل أن تعود الى الوراء.. وعلى كل حال ورغم كل المجازفات فلست نادماً على شيء.