كثيرون منا لم يتعلموا فن الحياة، ولم يستوعبوا كيف يكون الانسان انسانا، اما لانهم لا يدركون ان الحياة فن التوازن في الصعود الى اعلى وملء كأس الزمن بأفضل نتاج الوقت، وانها قواعد وحساب، حب وحرب، نهار وليل، شقاء وسعادة، او لانهم لم تتح لهم فرصة التفكير في الحياة فاعتبروها رحلة بين محطتي الولادة والموت مدفوعة التذكرة وجعلوا من حياتهم مجرد قاطرة يجرها آخرون او هكذا، تسير وحدها، الى العنوان الابدي لكل الناس. هؤلاء يحتاجون الى حيوات اخرى ليستدركوا ما فاتهم، والى فقدان الكثير من الناس حولهم بالرحيل او بالموت ليدركوا حجم المأساة.. مأساة لا حياتهم في الحياة. بالمقابل، ثمة اذكياء، فنانون محترفو حياة بشقيها الدنيا.. والآخرة لمن يشاء. لا يتركون يوما يمر من حياتهم دون ان يختموه ببصمتهم عملا وتفكيرا ومتعة. انهم هم الذين يقودون الزمن وهم الذين يملأونه بما يريدون ويدركون ان تلك القطعة ذات العقارب على اليد لم تصنع لمعرفة موعد او اللحاق بالباص والطائرة، بل لتحسب كم ساعة من العمر مضى.. هل فكر احد ان يجيب بالساعات عندما يسأل عن عمره.. او يحدد بالانجاز تاريخ حياته، ولا نعني طبعا، تاريخ ميلاده فهذا مجاني للجميع تماما كما الموت، لكن الاول بداية واشراقة والثاني نهاية وافول. قبل ايام كابدنا ككتاب وصحفيين افول نجم مؤنس الرزاز، هوى دون انذار في غير موعده. غاب في عز العمر واوج الالق. مات وفي الحياة العربية جراح تتعمق، قضى ابوه، ابو مؤنس حياته محاولا مداواتها ورحل. وجهد مؤنس في منع اتساعها الا انها اتسعت و.. ابتلعته. لم يكن مؤنس صديقي لكننا ابناء جيل الجرح الواحد والوطن العربي الواحد. بعد اثنتي عشرة ساعة او اقل جاءني صوت الصديق فخري مرتعشا باكيا يريد ان ننشر خبر وفاة مؤنس الرزاز. حضر خيري تسبقه حاسته، لم استطع ابلاغه، اعطيته الخبر مكتوبا.. بكى، بكينا.. امثال مؤنس يرحلون مبكرا. فالحلم القومي استنفد كل امله. والخيال الوطني العروبي بلغ مداه دون ان يحقق ادناه. من يستطيع ان يتجول عاريا في هذا النهار العربي العاري. كثيرون يختبئون. كثيرون يستعيرون قطعة قماش تسترهم وكثر من فقدوا الحلم والخيال وعاشوا امواتا. هل نتعلم فن الحياة؟ الدروس كلها تبدأ بعامل الوقت الذي اسقطناه من حساباتنا. لقد فرض علينا السويسريون واليابانيون ساعاتهم وفرض علينا الانجليز والاميركيون والروس زمنهم لنعيش سياسيا واقتصاديا وعسكريا حسب توقيتهم وبقينا تابعين.. قابعين في كهوف خوفنا وهزائمنا.
مؤنس الرزاز... يودعنا دون سابق انذار يودع القلم والابداع يودع جمهوره الذي اعتاد على مقالاته اليومية في جريدة (الرأي)، وقبلها في جريدة (الدستور) وصحف عربية أخرى، يودع قراء رواياته: أحياء في البحر الميت، اعترافات كاتم صوت، متاهة الإعراب في ناطحات السحاب، جمعة القفاري ، يوميات نكرة، الذاكرة المستباحة ، قبعتان ورأس واحد، ومذكرات ديناصور وغيرها وغيرها من الروايات التي استأثرت بوجدان قرائه وعاشقي أدبه ومتابعي كتاباته ذات الطابع الساخر..
غاب شخصه عنا ولكن ضياءه سيظل ساطعا وستظل روحه خفاقة فنم هانئا قرير العين ابا منيف وليرحمك الله.