عندما يتحول الكلام الى عملة مضروبة، لا تشتري "قفة"من اوراقها رغيفا، يصبح على الجميع ان يقاتلوا لتحرير عقولهم وألسنتهم المحتلة، وقد يكون من حق العربي الذي تحول الى تمثال هندي ثلاثي لا يسمع ولا يرى ولا يتكلم، ان يضرب عن كل شيء كي ينال الحدود الدنيا لحقوقه الانسانية المهدورة. لكنه بحاجة الى طعام كي يضرب عنه والى شهود لا يتآمرون على اضرابه. ان الكلام الذي يبث في الهواء ويتحول الى حبر في الصحافة يغير لون المحيطات كلها لو انحل فيها. فلماذا فقد جدواه وحتى صداه ونحن في أشد الحاجة اليه؟
كيف تسللت »أرَضة« الورق والروح الينا فبات علينا ان نترجم كل كلمة نسمعها الى النقيض؟ فكل هزيمة نصر، وكل تراجع بسالة، وكل تنازل صعود. اليست هذه هي المعاجم الجديدة التي تصدر تباعا لكي نبدل تاريخنا، ونخلع ذاكرتنا كالقبعة او العقال؟ والكارثة ان الجميع يعرفون ذلك، لكنهم يثرثرون واحيانا يشتبكون على ذبابة بعد ان اشاحوا طوال عقود عن كل ما مرّ أمامهم من غزلان! حتى الصمت أفسدوه، فلم يعد يعني الاحتجاج او الترفع عن الهذيان، اذ يترجم على الفور الى قبول وامتثال! والمفارقة اننا نلعن الكلام بالكلام ذاته، ونصف قصوره عن التعبير بواسطته ايضا، لكأن قدرنا منذ تورطت الأبجدية الجميلة بالسنتنا، وما آل اليه حالنا، هو ان نحصي الفقاعات المتطايرة حتى تتلاشى، او نصنع تماثيل من الثلج تذوب بين اصابعنا لحظة اكتمالها! ان خطابا لا يغطيه اي رصيد اخلاقي او حتى تاريخي لهو دخان بلا نار، ولعله الدخان الوحيد الذي بلا نار لأن الحرائق التي يأتي منها لا تخصنا، فنحن الآن ندفع كل نياقنا وجمالنا ثمنا لحروب لا ناقة لنا فيها ولا بعير، ان لغتنا ايضا تعاني من الاستيطان والاحتلال. فهل نسارع الى تحريرها كي تستعيد الكلمة الاشبه بعملة بائدة نفوذها؟ وهل نجرؤ على الصراخ في وجوه من باعوا احزاننا لهواة جمع »الدموع« فنقول لهم: كفوا عن هذا المواء واتركوا لنا آخر هامش للبوح، ما دامت »المتون« كلها من ورق، والدخان الذي يعمي عيوننا ليس من نارنا على الاطلاق!