كان شاهدا، وصار الان شاهدا اخر.. لم يكن ايلي حبيقة شاهدا في قضية صبرا وشاتيلا فقط. كان شاهد الحرب القذرة كلها.. نموذجا فذا لشاب يفتح عينيه على اجواء الانعزال الطائفي والاقليمي، في تلك الجبال المعزولة جغرافيا، فيتحدد افقه بأفقها، وقسوته الحادة وعناده، بقسوة صخورها وعناد طبيعتها، دون ان يحدد ذلك ذكاءه الاستثنائي، وجاذبيته القيادية الخاصة. يدخل طاحونة العنف والدم الرهيبة ويعتقد، كما تياره، ان اسرائيل هي الحليف المنقذ. يتقلب في العمالة والخيانة والجريمة، لنقص في الوعي، ولتورط الرمال المتحركة. وتتجه قدراته كلها في خط السراديب الامنية، فاذا اسمه ذلك البعبع المرعب، وتلك البوصلة التي لا تدل الا الى الموت. يلتحم بالضباط الاسرائيليين، خاصة ضباط الموساد، الذين شهد معظم المخطوفين والمعتقلين لديه، حضورهم جلسات التحقيق او اشرافهم عليها. لكنه عند مفصل معين، يفترق عن الخط الاسرائيلي، ويتباعد الخطان حتى القطيعة ثم العداء. في لقاء مع مجموعة من الشباب والاعلاميين في الحركة الوطنية، بعد خروجه من الكرنتينا بفترة، قال ايلي حبيقة: »انتم اتخذتم موقف العداء لاسرائيل، انطلاقا من وعي نظري، انا اكتشفت انني عدوهم بالتجربة«. هي التجربة، تلك التي اوصلت البعض الى اكتشاف ان اسرائيل ليست »المنقذ المحرر« كما اعتبرها الشاعر المجنون سعيد عقل، »ذاك الذي لا عذر له لانه انتقل من الوعي الى الخيانة لا العكس«، وانما هي المستعبد المتغطرس الذي لا يهدف الا لحرق اللبنانيين على مذبح خطته لتصفية الفلسطينيين. وهي التجربة تلك التي جعلت بشير الجميل يتحول من الحليف المدلل الى المغضوب عليه بمجرد ان طالب بكامل التراب اللبناني. هي التجربة، التي منها ما قاله شيمون بيريز في كتابه »حوار طويل« من »اننا قلنا للبنانيين صراحة اننا لن نقاتل عنكم، عليكم ان تخوضوا حربكم« وحتى السلاح الذي قدمته اسرائيل، لم يكن الا بأموال الرهبنة المارونية والمؤسسات الاخرى. وهي هذه التجربة التي جعلت من ايلي حبيقة اكثر من شاهد، اخرهم الشاهد الذي صنعه موته. هو شاهد الخطر والشطط اللذين تمثلهما العقلية الانعزالية والطائفية، ايا تكن جغرافية العزلة، ولون الطائفة. هو شاهد اختبار الاسرائيليين ايا يكن مستوى العمالة والتعامل. هو شاهد التسارع التلقائي لعجلة الدمار متى ترك لنار الاحقاد والفئويات الداخلية ان تولول. هو شاهد طبيعة القنبلة العنقودية، لا نهاية لتوالد تشظياتها متى بدأ التفتت. هو شاهد الحقيقتين: القذرة التي تحمل تلوثات وحقارات كل خفايا الحرب اللبنانية، والساطعة تلك التي اكدتها عودة ايلي حبيقة عن عمالته، يأسا من فائدتها. وهو اخيرا، الشاهد الدامغ على مآل كل من يتعامل بشكل او بآخر مع اسرائيل، فليس مصيره بمختلف عن بشير الجميل او عن داني شمعون او حتى عن انور السادات.. فليس المتعامل من عمر الا عمر دوره التاريخي المرسوم بدقة.. ان اكمله انتهى وان حاد عنه انتهى..