جنة الظل!! النفس البشرية دائمة البحث عن الظل الذي يهيء لها السعادة والامان والاستقرار...تبحث عما يحقق لها كيانها وارتقائها وسموها...تبحث عن ظل يريحها من عناء سفر الحياة الشاق تحت اشعة الحياة المادية الملتهبة...تبحث عن الظل في الارض الجرداء التي تحولتفيها القلوب إلى حجارة او اشد قسوة. لو شائت الاقدار ...واجبرتك الظروف على السير مسافة طويلة في صحراء قاحلة تحت شمس محرقة وعلى رمضاء ملتهبة...فإن اكثر ما تتمناه وتنشده أن تحظى بظل يقيك حرارة الشمس المحرقة ويخفف عنك عناء المسير ويعيد إليك رمق الحياة. وعندما تجد الظل وترتمي بين أحضانهوتسند إليه ظهرك...تغمرك نشوة الفرح والاسترخاء والراحة....تشعر بعدها أنك قد عدت إلى طبيعتك وذاتك...فتلملم قواك المنهارةوتنفض عن نفسك عناء المسيروصعوبة الموقف....وتبدأفي التفكير العميق للخطوة القادمة. إن الظل في حالتك هذه اشبهبفيض الحنان الذي امدك بالحياة والسعادة والامان...أشبه بالامل الذي اعاد إليط رمق الوجود...ولهذه العلة جبل الانسان على حب الظل بمختلف صوره واشكاله وانواعه. هذه الصورة الرمزية التي يمر بها الانسانمرارا واكرارا في حياته تحتاج إلى وقفة تأمل وتدبر تستقي منها العقول الحكيمة آية وعبرة....وتنشد منها النفوس الواعية سلوكا وتطلعا للبناء والكمال. قد تنظر إلى الظل من زاوية ضيقة حركت الانسان على مر التاريخ لتنظيم وقته وبناء مستوطناته وإقامته ومعرفة تقلبات الرصد الجوي ...ولكن من أشرق نور المعرفة في قلبه يرى في الظل ثلاثة حقائق أساسية... الاولى أنه آية من آيات الابداع الكوني التي تتعلق بحركة الكواكب والافلاك فالظل سباحة فلكية عميقة تجوب فيها كتلة عظيمة من المادة في فضاء الكون الفسيح ومن خلال حركتها يتكون ظلك الذي يزيد وينقص بمقدار تلك الحركة.....ثانياالظل هو أذان التوحيد الصامت الذي يعلن ساعة إقامة الصلاة التي تربطك بالخالق فهو اشبه بالميقات الذي تنساب إلينا من خلاله تلك النفحات القدسية التي تنفض عن قلوبنا هواجس النفوس....لذلك كان الرسول (ص) ينظر وقت الزوال إلى الشمس ويلتفت إلى بلال ويقول له: قم وارحنا يا بلال......ثالثا الظل سفينة النجاة التي تجعلك تعود إلى ذاتك وطبيعتك التي فطرك الله عليها فهو الامان والامل لكل عابر سبيل في هذه الحياة وبدونه يشعر الانسان بالضياع والتيه في الصحراء القاحلة . فالظل يحمي الانسان من مهلكات الدهر وفتن الزمان...يقيه من النيران الملتهبة التي تداخل نفسه وكيانه في كل لحظة وحين...فالنفس البشرية دائمة البحث عن الظل الذي يهيء لها السعادة والامان والاستقرار ...تبحث عن ما يحقق لها كيانها وارتقائها وسموها...تبحث عن الظل في الارض الجرداء التي تحولت فيها القلوب إلى حجارة او اشد قسوة ....تبحث عن الظل بين لهيب الضمائر التي جف ماؤها فأضحت أطلال خاوية على عروشها...تبحث عن الظل بين ركام الماديات والتحضر الذي افقدنا أصالتنا وهويتنا ...تبحث عن الظل بين رمال القشريات والهوامش التي تشكل كثبانا متحركة تعيق مسيرتها... لقد عاش نبي الله موسى(ع) ظروف قهرية عندما كان في طريقه إلى مدين بعد أن خرج من مصر...لا يملك ما يسد جوعه إلا البقل وورق الشجر ...بطنه لاصق بظهره من الجوع ..حافي القدمين في حالة يرثى لها ...ولكنه وجد الظل الذي أسند إليه ظهره وغير معادلة الضعف إلى قوة ...والانكسار إلى اما وحضوه والخوف إلى اطمئنان وراحة ((ثم تولى إلى الظل فقال رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير)) لقد ناجى موسى ربه تحت ظل الشجرة ...لقد وجد موسى (ع) ظله ولكن ما بالنا نحن البشر ...هل حرمنا الله عزوجل من التمتع بهبة الظل الرحمانية التي نستعيد من خلالها ذواتنا ونجعلها إنطلاقة لنا في حياتنا.. إن كرم الله الفياض على الوجود أغدقت علينا نعمة التمتع بالظل الالهي الذي جعله قبل بزوغ شمس يوم جديد وهي فترة ما بين الطلوعين ما بعد طلوع الفجر الصادق إلى ما قبل طلوع الشمس. |