| "سعيد بن عامر رجل اشترى الآخرة بالدنيا وآثر الله ورسوله على سواهما" ..قصة(3) الجزء ال عند ذلك دعا عمر بن الخطاب سعيدا إلى مؤازرته وقال: يا سعيد اني مولوك على أهل "حمص" فقال:ياعمر نشدتك ألا تفتنني،فغضب عمر وقال: ويحكم وضعتم هذا الامر في عنقي ثم تخليتم عني!!.والله لا أدعك. ثم ولاه على "حمص"وقال: ألا نفرض لك رزقا؟ قال:وما أفعل به يا أمير المؤمنين؟!فإن عطائي من بيت المال يزيد عن حاجتي،ثم مضى إلى "حمض". وما هو إلا قليل حتى وفد على أمير المؤمنين بعض من يثق بهم من أهل "حمص"،فقال لهم: اكتبوا لي أسماء فقرائكم حتى أسد حاجتهم. فرفعوا كتابا فإذا فيه:فلان وفلان وسعيد بن عامر. فقال:ومن سعيد بن عامر ؟! فقالوا أميرنا. قال:أميركم فقير؟! قالوا نعم،والله إنه لتمر عليه الأيام الطوال ولا يوقد في بيته نار. فبكى عمر حتى بللت دموعه لحيته،ثم عمد إلى ألف دينار فجعلها في صرة وقال: اقرؤوا عليه السلام مني ،وقولوا له:بعث إليك أمير المؤنين بهذا المال لتستعين به على قضاء حاجتك. ******** جاء الوفد لسعيد بالصرة فنظر إليها فإذا هي دنانير،فجعل يبعدها عنه وهو يقول: إنا لله وإنا اليه راجعون-كأنما نزلت به نازلة أو حل بساحته خطب-فهبت زوجته مذعورة قالت: ما شأنك يا سعيد ؟! أمات أمير المؤمنين؟! قال:بل أعظم من ذلك. قالت:أأصيب المسلمون في وقعة؟! قال:بل أعظم من ذلك. قالت:وما أعظم من ذلك؟! قال:دخلت علي الدنيا لتفسد آخرتي،وحلت الفتنة في بيتي. قالت:تخلص منه-وهي لاتدري من أمر الدنيا شيئا- قال:أوتعينني على ذلك؟ قالت:نعم. فأخذ الدنانير فجعلها في صرر ثم وزعها على فقراء المسلمين. ****** لم يمض على ذلك طويل وقت حتى أتى عمر بن الخطاب رضي الله عنه ديار الشام يتفقد أحوالها فلما نزل بحمص –وكانت تدعى""الكويفة"" وهي تصغير للكوفة وتشبيه لحمص بها لكثرة شكوى أهلها من عمالهم وولاتهم كما كان يفعل أهل الكوفة-فلما نزل بها لقيه أهلها للسلام عليه فقال: كيف وجدتم أميركم؟ فشكوه إليه وذكروا أربعا من أفعاله،كل واحد منها أعظم من الآخر. قال عمر:فجمعت بينه وبينهم،ودعوت الله ألا يخيب ظني فيه؛فقد كنت عظيم الثقة به. فلما أصبحوا عندي هم وأميرهم،قلت: ما تشكون من أميركم؟ قالوا :لايخرج إلينا حتى يتعالى النهار. فقلت:وما تقول في ذلك يا سعيد؟فسكت قليلا،ثم قال: والله إني كنت أكره أن أقول ذلك،أما وإنه لابد منه،فإنه ليس لأهلي خادم، فأقوم في كل صباح فأعجن لهم عجينهم،ثم أتريث قليلا حتى يختمر،ثم أخبزه لهم، ثم أتوضأ وأخرج للناس. قال عمر:فقلت لهم:وما تشكون منه أيضا؟ قالوا:إنه لايجيب أحدا بليل. قلت:وما تقول في ذلك يا سعيد؟ قال:إني والله كنت أكره أن أعلن هذا أيضا.فأنا قد جعلت النهار لهم والليل لله عزوجل. قلت:وما تشكون منه أيضا؟ قالوا إنه لا يخرج إلينا يوما في الشهر. قلت:وما هذا يا سعيد؟ قال:ليس لي خادم يا أمير المؤمنين،وليس عندي ثياب غير التي علي،فأنا أغسلها في الشهر مرة وأنتظرها حتى تجف،ثم أخرج إليهم في آخر النهار. ثم قلت:وما تشكون منه أيضا؟ قالوا:تصيبه من حين إلى آخر غشية فيغيب عمن في مجلسه. فقلت:وما هذا يا سعيد؟! فقال:شهدت مصرع خبيب بن عدي وأنا مشرك،ورأيت قريشا تقطع جسده وهي تقول: أتحب أن يكون محمدا مكانك؟ فيقول:والله ما أحب أن أكون آمنا في أهلي وولدي،وأن محمدا تشوكه شوكة.... وإني والله ما ذكرت ذلك اليوم وكيف أني تركت نصرته إلا ظننت أن الله لا يغفر لي ..... وأصا بتني تلك الغشية. عند ذلك قال عمر: الحمد لله الذي لم يخيب ظني به. ثم بعث بألف دينار ليستعين بها على حاجته.فلما رأتها زوجته قالت له: الحمد لله الذي أغنانا عن خدمتك،اشتر لنا مؤنة واستأجر لنا خادما. فقال لها:وهل لك فيما هو خير من ذلك؟ قال وما ذاك؟! قال ندفعها إلى من يأتينا بها،ونحن أحوج ما نكون إليها. قالت:وما ذاك؟! قال:نقرضها الله قرضا حسنا. قالت: نعم ،وجزيت خيرا. فما غادر مجلسه الذي هو فيه حتى جعل الدنانير في صرر،وقال لواحد من أهله: انطلق بها إلى أرملة فلان،وإلى أيتام فلان،وإلى مساكين فلان،وإلى معوزي آل فلان. ******* رصي الله عن سعيد بن عامر الجمحي فقد كان من الذين يؤوثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة. |