بلقيس الراوي هي العراقية التي قتلت في انفجار السفارة العراقية في بيروت عام1982م، وترك رحيلها أثراً نفسياً عند نزار ورثها بهذه القصيدة الشهيرة التي تحمل اسمها، حمل فيها الوطن العربي كله مسئولية قتلها، وبعد وفاة بلقيس رفض نزار ان يتزوج وعاش سنوات حياتة الاخيرة وحيداً الى ان مات في شقتة في العاصمة الانجليزية. ..... ارجوا ان تنال إعجابكم فهي غنية جداً بالاحاسيس والعواطف والكلمات التي تصل القلب دون حساب.
نزار قباني ... قصيدة بلقيس ****
شكراً لكم .. شكراً لكم .. فحبيبتي قتلت .. وصار بوسعكم أن تشربوا كأساً على قبر الشهيدة وقصيدتي اغتيلت .. وهل من أمهٍ في الأرض .. إلا نحن .. تغتال القصيدة ؟ بلقيس ..كانت اجمل الملكاتِ في تاريخ بابل بلقيس ..كانت أطول النخلات في أرض العراق كانت إذا تمشي .. ترافقها طواءيس ، وتتبعها أيائل بلقيس .. يا وجعي، ويا وجع القصيدة حين تلمسها الأنامل هل يا ترى من بعد شعركِ سوف ترفع السنابل ؟ يا نينوي الخضراء .. يا غجريتي الشقراء .. يا أمواج دجلة تلبس في الربيع بساقها أحلى الخلاخل .. قتلوك يا بلقيس .. أية أمه عربية تلك التي تغتال أصوات البلابل ؟ أين السموأك ، والمهلهل .. والغطاريف الأوائل ؟ فقبائل أكلت قبائل .. وثعالب قتلت ثعالب .. وعناكب سحقت عناكب قسماً بعينيكِ اللتينِ إليهما تأوي ملايين الكواكب .. سأقول ، يا قمري ، عن العرب العجائب .. فهل البطولة كذبة عربيه .. أم مثلنا التاريخ كاذب ؟؟ بلقيس .. لا تغيبي عني .. فإن الشمس بعدكِ ، لا تضيء على السواحل سأقول في التحقيق ، أن اللص اصبح يرتدي ثوب المقاتل .. وأقول في التحقيق أن القائد الموهوب أصبح كالمقاول .. وأقول أن حكاية الإشعاع أسخف نكتهٍ قيلت .. فنحن قبيلة بين القبائل .. هذا هو التاريخ .. يا بلقيس .. كيف يفرق الإنسان ما بين الحدائق .. والمزابل ؟ .. بلقيس .. أيتها الشهيدة ، والقصيدة ، والمطهرة النقية سبأ تفتش عن مليكتها .. فردي للجماهير التحية .. يا أعظم الملكات .. يا امرأة تجسد أمجاد العصور السومريه بلقيس يا عصفورتي الأحلى .. ويا أيقونتي الأغلى .. ويا دمعاً تناثر فوق خد المجدلية .. أترى ظلمتكِ إذ نقلتكِ ذات يومٍ من ضفاف الأعظمية بيروت تقتل كل يومٍ واحداً منا .. وتبحث كل يومٍ عن ضحية ... والموت في فنجان قهوتنا .. وفي مفتاح شقتنا .. وفي أزهار شرفتنا .. وفي ورق الجرائد ..والحروف الأبجدية .. هانحن ، يا بلقيس ، ندخل مرة أخرى لعصر الجاهلية هانحن ندخل في التوحش ، والتخلف ، والبشاعة ، والوضاعة ، ندخل مرة أخرى عصور البربرية حيث الكتابة رحلة بين الشظيةِ .. والشظية .. حيث اغتيال فراشة في حقلها .. صار القضية هل تعرفون حبيبتي بلقيس ؟ فهي أهم ما كتبوه في كتب الغرام كانت مزيجاً رائعاً .. بين القطيفة والرخام كان البنفسج بين عينيها ينام .. ولا ينام بلقيس .. يا عطراً بذاكرتي .. ويا قبراً يسافر في الغمام قتلوكِ .. في بيروت مثل أي غزالةٍ من بعدما قتلوا الكلام .. بلقيس .. ليست هذه مرثية .. لكن .. على العرب السلام .. بلقيس .. مشتاقون .. مشتاقون .. مشتاقون .. والبيت الصغير يسأل عن أميرته المعطرة الذيول نصغي إلى الأخبار .. والأخبار غامضة .. ولا تروي فضول بلقيس . مذبوحون حتى العظم .. والأولاد لا يدرون ما يجري … ولا أدري أنا ماذا أقول ؟ هل تقرعين الباب بعد دقائقٍ ؟ هل تخلعين المعطف الشتوي ؟ هل تأتين باسمةً .. وناضرة .. ومشرقة كأزهار الحقول ؟ بلقيس إن زروعكِ الخضراء مازالت على الحيطان باكيةً .. ووجهكِ لم يزل متنقلاً بين المرايا والستائر حتى سجارتكِ التي أشعلتها لم تنطفئ .. ودخانها مازال يرفض أن يسافر بلقيس .. مطعونون .. مطعونون في الأعماق ، والإحداق يسكنها الذهول .. بلقيس .. كيف أخذت أيامي ، وأحلامي ، وألغيت الحدائق والفصول ؟ يا زوجتي .. وحبيبتي .. وقصيدتي .. وضياء عيني قد كنتِ عصفوري الجميل .. فكيف هربتِ يا بلقيس مني ؟ .. بلقيس هذا موعد الشاي العراقي المعطرِ .. والمعتقِ كالسلافه فمن الذي سيوزع الأقداح .. أيتها الزرافة .. ومن الذي سيقبل الأولاد عند رجوعهم ؟ ومن الذي نقل الفرات لبيتنا .. وورود دجلة والرصافه .. بلقيس .. إن الحزن يثقبني .. وبيروت التي قتلتكِ .. لا تدري جريمتها وبيروت التي عشقتكِ تجهل أنها قتلت عشيقتها .وأطفأت القمر .. بلقيس .. يا بلقيس .. يا بلقيس .. كل عمامةٍ تبكي عليكِ .. فمن ترى يبكي عليا ؟ بلقيس .. كيف رحلت صامتة ، ولم تضعي يديكِ على يديا ؟ بلقيس .. كيف تركتنا في الريح ، نرجف مثل أوراق الشجر ؟ وتركتنا - نحن الثلاثة - ضائعين كريشة تحت المطر .. أتراك ما فكرتِ بي ؟ وأنا الذي يحتاج حبكِ .. مثل (زينب) أو (عمر) .. بلقيس .. يا كنزاً خرافياً .. ويا رمحاً عراقياً .. وغابة خيزران يا من تحديت الغيوم ترفعاً .. من أين جئتِ بكل هذا العنفوان ؟ بلقيس .. أيتها الصديقة ، والرفيقة ، والرقيقة مثل زهرة أقحوان ضاقت بنا بيروت .. ضاق البحر ضاق بنا المكان .. بلقيس : ما أنتِ التي تتكررين .. فما لبلقيس اثنتان … بلقيس .. تذبحني التفاصيل الصغيرة في علاقتنا ، وتجلدني الدقائق والثواني .. فلكل دبوسٍ صغيرٍ .. قصه .. ولكل عقدٍ من عقودك قصتانِ .. حتى ملاقط شعرك الذهبي ، تغمرني كعادتها بأمطار الحنانِ ويعرش الصوت العراقي الجميل ، على الستائر ، والمقاعد ، والأواني .. ومن المرايا تطلعين .. من الخواتم تطلعين .. من القصيدة تطلعين .. من الشموع ، من الكؤوس ، من النبيذ الأرجواني .. بلقيس .. يا بلقيس .. لو تدرين ما وجع المكانِ .. في كل مكان أنت حائمة كعصفورٍ .. وعابقة كغابة بيلسانِ .. فهنالك كنتِ تدخنين .. هناك كنتِ تطالعين .. هناك كنتِ كنخلةٍ تتمشطين .. وتدخلين على الضيوف كأنك السيف اليماني .. بلقيس .. أين زجاجة (الغيرلان) والولاعة الزرقاء .. أين سيجارة الـ (كنتِ) التي ما فارقت شفتيكِ .. أين (الهاشمي) مغنياً فوق القوام المهرجانِ .. تتذكر الأمشاط ماضيها ، فيكرج دمعها هل يا ترى الأمشاط من أشواقها أيضاً تعاني ؟ بلقيس .. صعب أن أهجر من دمعي .. وأنا المحاصر بين ألسنه اللهيب .. وبني ألسنه الدخانِ .. بلقيس .. أيتها الأميرة .. هاأنت تحترقين في حرب العشيرة .. والعشيرة ماذا سأكتب عن رحيل مليكتي ؟ أن الكلام فضيحتي .. هانحن نبحث بين أكوام الضحايا .. عن نجمة سقطت .. وعن جسدٍ تناثر كالمرايا .. هانحن نسأل يا حبيبة .. إن كان هذا القبر قبركِ أنتِ .. أم قبر العروبة ؟ ؟ بلقيس .. يا صفصافة أرخت ضفائرها علي .. ويا زرافة كبرياء بلقيس .. أن قضاءنا العربي أن يغتالنا عرب .. ويأكل لحمنا عرب .. ويبقر بطننا عرب .. ويفتح قبرنا عرب .. فكيف نفر من هذا القضاء ؟ فالخنجر العربي ليس يقيم فرقاً .. بين أعناق الرجال .. وبين أعناق النساء .. بلقيس : أن هم فجروكِ .. فعندنا .. كل الجنائز تبتدي في كربلاء .. وتنتهي في كربلاء .. لن أقرأ التاريخ بعد اليوم .. أن أصابعي اشتعلت .. وأثوابي تغطيها الدماء .. هانحن ندخل عصرنا الحجري .. نرجع كل يومٍ ، ألف عام للوراء .. البحر في بيروت .. بعد رحيل عينيكِ استقال والشعر يسأل عن قصيدته التي لم تكتمل كلماتها .. ولا أحد يجيب على السؤال .. الحزن يا بلقيس ، يعصر مهجتي كالبرتقالة .. الآن أعرف مأزق الكلماتِ .. أعرف ورطة اللغة المحاله .. وأنا الذي أخترع الرسائل .. لست أدري كيف أبتدي الرسالة .. السيف يدخل لحم خاصرتي .. وخاصرةِ العبارة كل الحضارة ، أنت يا بلقيس ، والأنثى حضارة بلقيس : أنت بشارتي الكبرى ، فمن سرق البشارة ؟ أنت الكتابة قبلما كانت كتابة .. أنت الجزيرة والمنارة .. بلقيس : يا قمري الذي طمروه ما بين الحجارة .. الآن ترتفع الستارة .. الآن ترتفع الستارة .. سأقول في التحقيق ، أني أعرف الأسماء .. والأشياء .. والسجناء .. والشهداء .. والفقراء .. والمستضعفين .. وأقول أني أعرف السياف قاتل زوجتي .. ووجوه كل المخبرين .. وأقول أن عفافنا عهد .. وتقوانا قذارة .. وأقول أن نضالنا كذب .. وأن لا فرق ما بين السياسة والدعارة .. سأقول في التحقيق أني قد عرفت القاتلين .. وأقول إن زماننا العربي مختص بذبح الياسمين .. ويقتل كل الأنبياء .. وقتل كل المرسلين .. حتى العيون الخضر .. يأكلها العرب .. حتى الضفائر .. والخواتم .. والأساور .. والمرايا .. واللعب .. حتى النجوم تخاف من وطني .. ولا أدري السبب .. حتى الطيور تفر من وطني .. ولا أدري السبب .. حتى الكواكب .. والمراكب .. والسحب .. حتى الدفاتر .. والكتب .. وجميع أشياء الجمال .. جميعها ضد العرب .. لما تناثر جسمك الضوئي ، يا بلقيس ، لؤلؤة كريمة فكرت : هل قتل النساء هواية عربية أم أننا في الأصل محترفو جريمة ؟ بلقيس : يا فرسي الجميلة .. أني من كل تاريخي خجول .. هذي بلاد يقتلون بها الخيول .. هذي بلاد يقتلون بها الخيول .. من يوم أن نحروكِ ، يا بلقيس ، يا أحلى وطن لا يعرف الإنسان كيف يعيش في هذا الوطن لا يعرف الإنسان كيف يموت في هذا الوطن مازلت أدفع من دمي أعلى جزاء .. كي أسعد الدنيا .. ولكن السماء شاءت بأن أبقى وحيداً مثل أوراق الشتاء هل يولد الشعراء من رحمِ الشقاء ؟ وهل القصيدة طعنه في القلوب .. ليس لها شفاء أم أنني وحدي الذي عيناه تختصران تاريخ البكاء ؟ سأقول في التحقيق ، كيف غزالتي ماتت بسيف أبي لهب كل اللصوص من الخليج إلى المحيط .. يدمرون .. ويحرقون .. وينهبون .. ويرتشون .. ويعتدون على النساء كما يريد أبو لهب .. كل الكلاب موظفون ويأكلون .. ويسكرون على حساب أبي لهب .. لا قمحه في الأرض تنبت دون رأي أبي لهب لا طفل يولد عندنا .. إلا وزارت أمه يوماً فراش أبي لهب .. لا رأس يقطع دون أمر أبي لهب .. سأقول في التحقيق ، كيف أميرتي اغتصبت وكيف تقاسموا فيروز عينيها .. وخاتم عرسها وأقول كيف تخاطفوا الشعر الذي يجري كأنهار الذهب سأقول في التحقيق كيف سطوا على آيات مصحفها الشريفِ وأضرموا فيه اللهب .. سأقول كيف استنزفوا دمها .. وكيف استملكوا فمها .. فما تركوا به ورداً .. ولا تركوا عنب .. هل موت بلقيس هو النصر الوحيد بكل تاريخ العرب ؟ ؟ بلقيس .. يا معشوقتي حتى الثمالة .. الأنبياء الكاذبون .. يقرفصون ، ويركبون على الشعوب .. ولا رسالة لو أنهم حملوا إلينا من فلسطين الحزينة ، نجمة أو برتقالة لو أنهم حملوا إلينا من شواطئ غزةٍ جزء صغيراً .. أو محاره لو أنهم من ربع قرنٍ حرروا زيتونهً أو أرجعوا ليمونه .. ومحوا عن التاريخ عاره لشكرت من قتلوكِ ، يا بلقيس ، يا معبودتي حتى الثمالة .. لكنهم تركوا فلسطيناً .. ليغتالوا غزاله .. ماذا يقول الشعراء ، يا بلقيس ، في هذا الزمانِ ؟ ماذا يقول الشعر في العصر الشعوبي ، المجوسي ، الجبانِ؟ والعالم العربي .. مسحوق .. ومقموع .. ومقطوع اللسانِ .. نحن الجريمة في تفوقها .. فما (العقد الفريد) .. وما (الأغاني) ؟ أخذوك أيتها الحبيبة من يدي .. اخذوا الكتابة ، والقراءة ، والطفولة ، والأماني .. بلقيس .. يا بلقيس .. يا دمعاً ينقط فوق أهداب الكمانِ . علمت من قتلوكِ أسرار الهوى .. لكنهم .. قبل انتهاء الشوط .. قد قتلوا حصاني بلقيس .. أسألك السماح ، فربما كانت حياتك فديه لحياتي إني لأعرف جيداً أن الذين تورطوا في القتل ، كان مرادهم أن يقتلوا كلماتي !!! نامي بحفظ الله أيتها الجميلة .. فالشعر بعدكِ مستحيل .. والأنوثة مستحيلة ستضل أجيال من الأطفال تسأل عن ضفائرك الطويلة وتظل أجيال من العشاق تقرأ عنكِ .. أيتها المعلمة الأصيلة .. وسيعرف الأعراب يوماً .. أنهم قتلوا الرسوله ..