فتحت أم عماد الباب وإذ بأم رامي.. فاستقبلتها استقبالاً حافلا وجلست معها وأخذتا تتجاذبان أطراف الحديث.. ومع سرور أم عماد بزيارة أم رامي فإنها استشفت وراء الزيارة أمراً ما وقبل أن تسألها عن السبب كانت أم رامي قد دخلت في الموضوع مباشرة:
- أنت تعلمين يا أم عماد أن ابني رامي قد أصبح شابا في سن الزواج وقد جئتك أسألك عن جارتك خديجة؟
تغيرت ملامح أم عماد عندما سمعت باسم خديجة، فخديجة أصبحت في هذه اللحظة المنافسة الوحيدة لابنتها، كم كانت تتمنى أن تكون ابنتها زوجة لرامي.
قالت أم عماد: والله.. خديجة شابة جميلة.. هذا لا شك فيه لكن الأهم كما تعلمين الأخلاق والدين. ماذا تقصدين يا أم عماد؟
اسمعي يا أم رامي: نحن البشر لا نعلم بالسرائر، ولكننا نحكم على الناس من الظاهر، والظاهر هو مقياسنا في الأحوال جميعها، أليس كذلك؟
لم أفهم إلامَ ترمين؟ هلا أرحتني يا أم عماد؟
أنت على علم بأن خديجة تسكن وأمها في هذا البيت المتواضع ونحن ليس لنا شديد صلة بهما،لكننا نشاهد كل يومين أو ثلاثة شاباً يحمل كيساً من الهدايا لهما، وأحياناً كان يعطيهما مبلغاً من المال، لماذا يا ترى؟
هل يعقل هذا؟ إن ملامحها ولباسها يشيران إلى عكس ما ذكرت.
لا تغرنك المظاهر الخادعة يا أم رامي .. فما بالك إذن إن قلت لك بأنها كثيراً ما تخرج صباحاً ولا تعود إلى المساء، ووحدها!!
عجباً، وأين تقضي فتاة مثلها هذا الوقت كله، وعلى علم من أمها؟
هذا ما استغربته باديء الأمر..
إلى أن شاهدتها البارحة بعيني هاتين.. أقسم بالله.
تكلمي بالله عليك.
شاهدتها مع رجل يكبرها بقليل يتمشيان على الشاطئ ويتضاحكان فتبعتهما دون أن يشعرا بي.. وسمعته يحملها في النهاية سلاماً لأمها.
يعرف أمها أيضاً.. ويهديها السلام.
هذا طبيعي: البنت لأمها.
ولكن ما العمل الآن يا أم عماد؟
الأمر لك.. إن كنت ترضين لابنك زوجة منحلة عديمة الأخلاق والدين فبيت خديجة ليس ببعيد، وإن كنت تبغين بنات الأسر الراقية فطلبك عندي.
خرجت أم رامي من بيت أم عماد ورأسها يكاد ينفجر تتصارع فيه الأفكار وتتقاذفه الظنون، وفي الطريق استعادت ما قالته أم عماد حتى انتهت إلى.. (فطلبك عندي) عندها تزعزعت ثقة أم رامي بالرواية كلها، وقفلت راجعة ولكن إلى بيت خديجة.
قالت أم خديجة: حان وقت رجوع خديجة من الجامعة، فهي تدرس وتعمل.
قالت أم رامي: تعمل؟ ما تعمل يا أم خديجة؟
قالت الأم: تعمل على آلة الخياطة هذه في أوقات الفراغ..
قرع الجرس: فتحت الأم الباب وظهرخلفه شاب يحمل كيساً.
قال الشاب: أرجو أن تنتهي من تطريز هذه الثياب بسرعة. وهذا المبلغ أجرة ما عملت في الأسبوع الماضي، شكراً لك..
وقبل أن تغلق أم خديجة الباب وصلت خديجة فسلمت على الضيفة وجلست متعبة.
دار حديث شيق.. وفي النهاية قالت خديجة لأمها: نسيت أن أخبرك يا أمي بأن خالي يهديك السلام، لقد التقيت به البارحة على الشاطئ أثناء قدومي للبيت.
لم تتمالك أم رامي نفسها فقامت لتوها تعانق خديجة وتقبلها ، وتقول: مبروك ..