رجالٌ ... وذهب..
رائعه من روائع الدكتور نجيب الكيلاني.. حبيت أن أنقلها لكم من كتاب إسمه " حكايات طبيب"
واتمنى ان تحوز رضاكم وتنال إعجابكم..
.................................. القصه.................................
حينما رآها لأول مرة دخلت قلبه،
كانت تبحث عن عمل ترتزق منه،
وهو رجل أعمال كبير، ونجح نجاحاً باهراً، وكان الشِعارُ الذي يردده دائماً
" لامجال للعواطف في الأعمال المالية والتجارية"
ولذا كان يختار موظفيه بدقة، بعد إجراء اختبارات عدة ، ويراقبهم عن كثب، ويلم بكل ما يجري حوله، ولا يقبل وساطة من صديق، ولا شفاعه من قريب، بخصوص العمل.. قالوا عنه أنه جامد الاحساس بليد، قلبه من حجر،
قال له أحد أصدقائه :
-" أنت رجل مادي صرف".
ورد عليه في ثقه :
- " أنا لا أعبد الماده، ولكني أسخرها لمصلحتي، وفي ذلك سعادتي.. كلنا يبحث عن السعادة،وقد وجدتها في ذلك النجاح الذي حققته.."
وعاد صديقه يقول :
-" لكنك ستموت يوماً ما، ولن تأخذ معك شيئاً.."
قال ضاحكاً:
-" وأنت أيضاً.. مصير مشترك لانجاة منه، لذا لا أفكر فيه.. لاحل لمشكلة الموت.. فلننظر للحياة.."
عندما جاءته "نهال" تطلب وظيفة كتابية، أطال إليها النظر، ترى ما الذي يجذبه إليها، هذه الفتاة الفقيرة المسكينة ذات الثياب البسيطه الأنيقة؟؟ لم تكن مضطربة أو قلقة او خائفه من النتيجة، على وجهها الجميل سلام ورضى من نوع عجيب، وفي عينيها الواسعتين فرحة واطمئنان طبيعيان،
قال لها :
-" أريد أن أعرف إمكانياتك"
قالت:
" أطبع على الآله الكاتبة عربي وإنجليزي.. لدي خبرة في مجال الترجمه والتلكس.. اشتغلت في شركة طيران هذا كل شيء.."
كانت نهال لديها فكرة مسبقه عن دقته وجديته، وكانت تعلم أنها سوف تمر بسلسلة من الإمتحانات والمقابلات، وإذا وفقت في ذلك، فساعمل لمدة شهرين تحت التجربة.. وسمعته يقول:
-" وافقت على تعيينك.."
نظر سكرتيره في دهشة، وفغر فاه، هذه أول مرة تحدث فيها مسألة تعيين بتلك السرعه، وعلى هذه الصورة، ونهال هي الأخرى لم تصدق ماسمعته،
فاستفسرت قائلة :
-" أيمكنني أن أؤدي الإختبار اليوم؟"
قال باسماً :
-" لقد تم تعيينك.. انتهى الأمر، وسوف تعملين هنا في طاقم السكرتارية.."
كان " يوسف" في حوالي الخمسين من عمره، ويتدفق حيوية ونشاطاً، يبدو عليه وكأنه في الأربعين، واضح صريح، يتخذ قراراته بحزم، لامجال للتردد، ويمضي في طريقه دون أن يلتفت إلى الوراء، ولا شك أن إلحاق نهال بالعمل على هذه الصورة كان مثار لغط وتعجب وهمسات خبيثه، وانتظمت نهال في واجباتها الوظيفية بسهولة ويسر، كانت تعرف المنوط بها وتنجزه في خفة ودقة، ظن بعض العاملين في الشركه أنها أصبحت مركز ثقل أو قوة، وسرعان ما أخذوا يتقربون لإليها، هذا يقدم زجاجة من المشروبات البارده، وآخر يقدم لها قطعة من الشوكولاته، وثالث يحضر لها هدية كراديوا صغير.. أو نوعاً من الروائح الفاخرة..
وتقرأ نهال في عيونهم الإحترام الممزوج بالخوف، وتلحظ الإستسلام التام لكل مطالبها، ثم أخذ بعضهم يطلب منها التدخل في إنجاز بعض رغباته وآماله في العلاوة أو الترقية، أو يطلب منها أن تذكره بخير لدى
" يوسف"
المليونير الناجح.. وكانت هي تدرك ما وراء تلك التصرفات وأسبابها، كانت دائماً تحللها تحليلاً فطرياً واعياً، بذكائها،
وكانت ترد دائماً قائلة :
-" من أكون؟؟"
فيرد أحدهم :
-" أنت كل شيء اليوم.. لاتتواضعي.."
فتقول في دهشة :
-"لماذا؟؟"
فيقولون :
-" هذا أمر لايحتاج لتأويل أو تفسير.. لقد أحدث وجودك انقلاباً هائلاً في الشركة.. يوسف لم يعد يوسف الذي نعرفه من سنيين.. لسنا واهمين.. تلك هي الحقيقة.."
وتهز نهال كتفيها وتمضي غير عابئة...
الموظفون يتزاحمون على الباب، وطلاب الحاجات والمتعاملون مع الشركه ينتظرون دورهم، ونهال تدخل وتخرج في أي وقت..
وكان مساء..
يوسف يجلس وحيداً في مكتبه.. لقد إنتهى موعد العمل، وطلب نهال، دخلت وقد حملت حقيبتها استعداداً للإنصراف.
قال يوسف في توتر :
-" فيم العجلة؟؟"
قالت :
" هل بقي شيء وتريدني أن أنجزه؟؟"
صمت برهة، وأشعل سيجاره.. وهو نادر التدخين، رأيت فيه رجلاً آخر غير الرجل الذي يعرفه الناس، هذا الجامد الصلب ملامحه ترق وتلين.. إنه يبتسم .. يفرك يديه كطفل صغير أوقعه عبثه في إرتكاب خطأ ويخاف من عقاب والديه.. هذه أول مرة يطول فيها الصمت، هي الأخرى شعرت بقلق مبهم.. ارتبكت الفرحة والطمأنينة التي تلازمها من قديم..
قال وهو يحاول التماسك :
-" أنا أجيد المساومة والمضاربة في الأسواق.."
تنهدت في إرتياح، وحمدت الله، الموضوع موضوع عمل إذن،
لكنه إستطرد قائلاً :
-" لكن الأمور الكبيرة تحتاج لشيء آخر .. هناك أشياء لاتقبل المساومة.."
وقد قبلها، شعرت أن الأشياء توشك أن تتعرى دفعة واحدة، إنها تعرفه، يدخل في موضوعه دون مقدمات، وإذا لجأ إلى التمهيد، فإنه يستعمل كلمات قليلة..
وجاءها صوته ليضع حداً لحيرتها الشدية :
-" أنا أرغب في الزواج منك.."
ارتعشت ركبتاها، نظرت إليه، النظارة ذات الإطار الذهبي وساعة الرولكس الذهبية، وخاتم البلاتين، حتى المسبحه التي يمسك بها أيضاً حباتها من ذهب.. وعلى مكتبه تمثال ذهبي صغير لنسر فارد أجنحته.. رجل من ذهب..
وعاد يقول :
-" ما رأيكِ؟؟ "
إنه قلّــما يطلب رأي أحد، دائماً يصدر الأوامر،
يا إلهي!! ما الذي يحدث الآن؟؟ إنها لم تشتر بعد أية ملابس جديدة، جيدها عار من الحلى، وكذلك معصمها وأذناها..
إنها ضئيلة.. بالقياس له ضئيلة لحد كبير.. هل يريد الزواج حقاً؟؟ أم أنها حيلة من حيل التجار؟؟ وتذكرت ضائقتها المالية.. تذكرت حسام خطيبها.. مسكين وفقير مثلها .. فكرت هي وهو أن يبحثا عن حل.. نعم.. فلتبحثي عن عمل.. راتبي وحده لايكفي.. وخرجت إلى الطريق تبحث عن عمل.. حفيت قدماها بحثاً عن الرزق.. اصطدمت بالذئاب والثعالب والضائعين.. وشاء الله أن يفتح لها باب الأمل على يد يوسف.. قالت وقتها :
" هذا رزقي ورزق حسام.. إن الله لايترك أحداً يمد إليه يده.. والعالم مليء بالقلوب الطيبة.."
لكنها الآن ترى أمراً لم تحسب حسابه.. يوسف يريد أن يتزوجها.. لماذا هي بالذات؟؟ إنه يريد أن يشتري بذهبه .. بملايينه عشرات الفتيات..
ازداد توتره وقال :
-" فيم تفكرين؟؟ ألا أعجبك؟؟"
همست والدموع توشك ظان تطفر من عينيها :
-" لكني مرتبطه.."
قال :
" الم تتزوجي بعد..."
قالت :
" أجل.. لكن بيننا عهد.."
وقف ثم استدار حول مكتبه، واقترب منها قائلاً :
-" أظنك ناضجة العقـل.. وقد تخطيت سن المراهقة.. وأنا لست شاباً طائشاً.. إني أعرف عنك كل شيء.. لاتسأليني كيف.. المهم ان مصلحتك تقتضي أن تعيدي التفكير في.."
شهقت باكية، وهرولت إلى الخارج، واصدمت بالسكرتير الذي كان واقفاً وراء الباب. وهتفت في عصبية والدموع تبلل أهدابها :
-" أخبر سعادة المدير أني مستقيله.."
كان يوسف يجلس في مكانه السابق، والعرق يتقاطر على جبينه، ونظراته شاردة حزينة، تلعثم السكرتير، لم يكن يعرف ماذا جرى، ولا كيف يبدأ الحديث، تناول يوسف واحدة من المحارم الرقيقة، ثم أخذ يجفف عرقه ويقول :
-" سمعتها تقول شيئاً.."
هز السكرتير رأسه في خوف وقال :
-" لقد استقالت.."
لأول مرة في حياته يجد إنساناً يدوس على الوظيفة.. والذهب والمجد من أجل كلمة.. فليسموها عهداً.. أو وعداً.. أو خطبة.. أو فليسموها حبـاً.. أيمكن أن تصل الحماقة بامرأة أن تضحي بهذه الحياة الخرافية لتحافظ على شاب بسيط فقير؟؟
ورفع يوسف رأسه وقال للسكرتير :
-" أتعلم أنني طلبت منها الزواج فرفضت؟؟"
ضحك السكرتير في بلاهة وقال :
-" مجنونه.. إنها لاتساوي بصلة، وأنت.."
قاطعه يوسف صارخاً :
-" إخرس أنت حيوان.."
سقطت الأوراق من يد السكرتير، وسرعان ما انحنى يجمعها في اضطراب وانزعاج وهو يتمتم :
-" آسف... آسف.. لم يكن قصدي أن..."
لوح يوسف بيده قائلاً :
-" كفى.."
وعاد لشروده وأخذ يقول :
-" ماتعودت أن يرفض لي أحد طلباً.. وأعرف لي زوجة وستة من البنين والبنات.. لم أنهزم في معركه قط.. كنت أضحك على من يقولون إن الإنسان مسير لا مخير.. عندما رأيتها دخلت قلبي... بِـلُـغَتِكُمُ الدارجه.. أحببتها.. كلمة حب لاتكفي. ولكنني لا أعرف كلمة في اللغة سواها.. خيل إلي أنها شيء آخر غير النساء قاطبة.. كنت أعتز بملاييني أما اليوم فقد عرفت شيئاً آخر .. كنزاً آخر.. من أروع كنوز الدنيا.. اسمه الحب.. شيء لم أصادفه في حياتي كلها.. كنت أبحث عنه في أسرتي.. في مكتبي.. في المجتمع.. لم أكن أعرف أن الذي أجدّ في طلبه دون أن أدري مجسماً في تلك الفتاة النحيلة.. الجميلة ذات الروح الآسرة.. حسبت المادة وسيلة للوصول لأي شيء.. أكنت مخطئا طوال هذه السنين؟؟
آه .. انتظر.. أشعر بقبضة هائلة تعتصر قلبي في قسوة.. استدع الطبيب.. على الفور.. يجب أن تسرع.. لاتخبر أحد بأي شيء مما جرى.. آآه .. ياربي.."
* * *
كانت الشركة في اليوم التالي في صخب عارم، الجميع يتحدثون عن النوية القلبية التي فاجأت المدير، فمن قائل أنها بسبب الإرهاق في العمل، ومن قائل بأن ضغط الدم قد ارتفع فجأة، وإن نسبة الكولسترول في الدم عالية، أو انخفاض في قيمة الاسترليني والدولار.. وغير ذلك من الأسباب الكثيرة..
واستطاع الطبيب أن يجري الإسعافات الروتينية، ونقل المريض إلى غرفة الإنعاش.. كما أمكنه أن يعرف من السكرتير كل شيء بعد أن أقنعه بأهمية توضيح الأمور في علاج المريض وهو شخص غير عادي..
وتقاطر الموظفون على المستشفى يحملون باقات الزهور.. لم يكن يوسف الراقد تحت خيمة الأكسجين يكترث لشيء.. لكن السكرتير أتى إليه في اليوم الثالث وقال :
-" نهال تريد زيارتك.."
أشرق وجهه بالفرحة، وقال :
" أدخلوها "
ودخلت مذعورة حزينة.. خطفت يده وقبلتها..
خرج الجميع.. بقيت نهال والطبيب المريض..
قالت نهال :
-" لقد فكرت جيداً.. واقتنعت أخيراً. . وعندما يتم الشفاء سوف.."
وضع يده على فمها باسماً وقال :
-" استدع خطيبك.. سوف يستلم وظيفة عندي.. ولقد قررت أن تكون تكاليف الزفاف وإيجار الشقه على حسابي.."
احتضنته منتحبة وهي تقول :
" أنت أخي.. وأبي...و..."
همس :
" لاتقولي لي شيئاً.. لقد تعلمت منك الكثير.."
والتفت إلى الطبيب قائلاً :
- ما هو أثمن معادن الأرض يادكتور؟؟
قال الطبيب :
" الذهب طبعاً.."
رد يوسف :
" بل قلب الإنسان الشريف.. لكن للأسف.. أنتم الأطباء لاتعرفون عنه سوى النبضات والعضلات والشرايين التاجية التي تغديه.. وتجاهلت أهم غذاء له.. أتفهم؟؟"
هز الطبيب رأسه قائلاً :
-" نعم.. الحب.."
وابتسم يوسف قائلاً :
" إذن خذوا زجاجات الجلوكوز والمحاليل والاوكسجين واملأوا أوانيكم بالحب..."
وضحك يوسف والطبيب..
وضحكت نهال بصدق على الرغم من الدموع التي ما زالت عالقة بأهدابها..
================================
منقول .