يكثر أصدقاء إيران من أكاديميين ومحللين سياسيين التأكيد على أن ما يجري في إيران من "صراع شوارع" محتدم بين تياري الإصلاح والمحافظة ، إنما يجري تحت "مظلة النظام" ودون "سقف ولاية الفقيه" ، وهم يستحضرون جملة من الشواهد للبرهنة على وجاهة وجدية تأكيداتهم ، منها استذكار السير الذاتية للمرشحين الأربعة الطافحة بخدمة النظام ، ومنها حرص "الولي الفقيه" على احتضان أبنائه جميعا والاستماع لشكاواهم ومطالبهم.
هذه المقاربة ظلت صحيحة تماما حتى يوم الاقتراع في الثاني عشر من الشهر الجاري ، لكن صلاحية هذه الفرضيات واستمراريتها صارت بحاجة للتمحيص مجددا بعد "حرب الشوارع" التى اندلعت يوم الاقتراع ، وقبل انتهاء عمليات فرز الأوراق وتفريغ الصناديق.
في ظني أن انتساب "الأخوة الأعداء" لجيل الثورة وحراسها وقادتها ، لا يمنع أبدا ، ولا يحول دون تحولهم إلى خصوم أشداء لها ، فهل جاء ميخائيل غورباتشوف لأمانة الحزب الشيوعي السوفياتي ورئاسة مجلس السوفيت الأعلى من "جمعية رجال أعمال" أو من أحد أندية "الروتاري" في روسيا على سبيل المثال ، بالطبع كلا ، فالرجل كان مناضلا شيوعيا صلبا وهو من صلب النظام و"عظام رقبته" ، وبرغم ذلك ، بل ولهذا السبب بالذات ، فقد كان الأقدر على قيادة الحزب والدولة إلى نقيضيهما عبر البيريسترويكا والغلاسنوست. ألم يكن بوريس يلتسين عضوا في المكتب السياسي للحزب الشيوعي السوفياتي وأمين سر منظمة موسكو الرائدة في الحزب ، أين انتهى الحزب والاتحاد وروسيا في عهد يلتسين؟،.
قد يقال أن نظام "ولاية الفقيه" مدجج بالإيديولوجيا والمنظمات الشعبية والحرس الثوري إلى غير ما هناك من أدوات سلطوية ، ولكن من قال أن الاتحاد السوفياتي كان خاليا من عشرات ملايين الشيوعيين بمنظماتهم الحزبية والجماهيرية ولجانهم الشعبية بل وميليشياتهم شبه العسكرية ، فهل حالت كل هذه الأطر دون انهياره الشامل في ليلة غاب قمرها.
لست هنا أقارن بين إيران والاتحاد السوفياتي ، فلكل تجربة ظروفها وشروطها ، ولكن الكثير مما يقال الآن في التقليل من شأن ما تشهده إيران من "ثورة في الثورة" ، لم يصمد من قبل في الاتحاد السوفياتي ، فلماذا يصمد اليوم في إيران ، وهل إيران عصية على الانقلاب على ثورتها ، بل وهل هناك تجربة في العالم ، لم تنقلب فيها الدولة على الثورة ، فلما1ا ينظر إلى إيران كاستثناء لهذه القاعدة ، هل هي محصنة في مواجهة رياح التغيير والإصلاح والتحديث والديمقراطية.. هل كبرت إيران على عباءة الفقيه الولي وقررت أن لا تعيش في جلبابه بعد الآن.. ألن تفتح "حرب الشوارع" والمظاهرات المليونية الباب أما قوى جديدة خارجة على سقف المرجعية ومظلة ولاية الفقيه.. ألا يمكن لقوى علمانية وديمقراطية وليبرالية وقومية وانفصالية وأصولية وإرهابية واستخبارية أن تخرج من مكامنها وجحورها ومخابئها وسباتها إلى فضاءات العمل العام ، وهي إن خرجت فهل من السهل إعادتها إلى "قواعدها" ثانية ، وفي حال كهذا ، هل ستقوى إيران على الحفاظ على وحدتها الوطنية والترابية ، أم أنها ستدخل عصر "البلقنة" و"العرقنة" و"اللبننة" و"الصوملة" و"اليمننة"؟ لا إجابات يقينية بعد على هذا السيل المتدفق من الأسئلة والتساؤلات ، والأرجح أن قادمات الأيام والأحداث والتطورات وحدها ستجيب عليها ، بعضها قد نجد إجابة قريبة عليه ، على أن بعضها الآخر من النوع السابق لأوانه ، والأرجح أننا سننتظر ردحا من الوقت قبل أن نتوفر على إجابات مقنعة لقلقنا المعرفي.
لكننا مع ذلك ، ومنذ الآن ، بتنا نعرف أن إيران ما بعد الثاني عشر من حزيران لن تعود إلى ما كانت عليه قبله ، والدولة التي يناهز سكانها السبعين مليون نسمة ، لم تعد محصنة في وجه رياح التغيير ولا هي عصية على سيناريوهات التقسيم والتفتيت ، فنصف سكانها من غير القومية الفارسية ، ربعهم من الأذريين الأتراك ، وأقل من عشرة بالمئة منهم الأكراد ، وهناك العرب والأكراد واللور بنسب قليلة ، 98 بالمئة من السكان من المسلمين ، عشرة بالمائة منهم سنة وتسعون بالمائة منهم شيعة ، أما الـ2 بالمئة فمسيحيون وزرادشت ويهود وبهائيون.
فسيفساء كهذا بحاجة لما هو أكثر من العقيدة لتوحيدها.. فسيفساء كهذا بحاجة لأكثر من ديمقراطية شكلية مستوردة أو مستوحاة أو مفروضة للحفاظ على نسيجها ، فسفساء كهذه بحاجة لترك الإيرانيين وحدهم ، يبلورن خيارتهم ويرسمون خريطة طريق لمستقبلهم ، فنحن الذين لا تستهوينا "ولاية الفقيه" في فقه بعض "الشيعية السياسية" ولا "الحاكمية" في فقه بعض "السنية السياسية" ، نخشى الديمقراطية الزاحفة على ظهور الدبابات ، ونؤمن بالدولة المدنية المنبثقة من حاجات الداخل وخصائصه ، والمدعومة بنزاهة وموضوعية من الخارج ، فهل تشق إيران طريقها إلى بر الأمان ( بر الحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية ) بسلاسة وأقل الكلف وبدون دم ..؟؟؟ وأقل الكلف وبدون دم ..؟؟؟
إدراج صور النساء أو الأغاني .. يعرض العضو لإنذار إداري مع حذف الموضوع ، بدون سابق توجيه وهذا نهج المنتدى منذ سنوات عديدة مضت ..