ملاك
تُرى ..
كيفَ لي أن أكونَ مَلاكاً؟
وبي رغبةٌ أن أموتَ بِحضنِكِ يَوماً
وأنمُو كرائحةِ الزّعترِ الغجَريِّ
على جلدِ خاصرَتيْكِ
وأشربُ معكِ كؤوسَ اشتِهاءٍ
يزيدُ بنا شربُها الأشتِهاءَ
ويُذكي بنا الأشتِهاءْ.
وكيفَ تُراني أكونُ مَلاكاً؟
أنا من يُحاوِرُ طيريّْ حمَامٍ
يَنقّا بمِشمِشتينِ من الصّدرِ
ثوبَكِ في غَضَبِ السّجناءِ،
وقد كفَرا بالقُيُودِ
تُخبِّئُ ثَغريهما عن شِفاهِ الهَواءِ،
أقولُ:
- سلاماً على الثّائريْنِ؟
فيَضحكُ منْ في اليَسارِ
ويَغمِزُ منْ في اليَمينِ،
ويَهمِسُ لي:
- لا نُحبُّ السّجونَ ولا السّجناءْ.
تُري كيفَ لي أن أكونَ ملاكاً؟
أنا عاشِقُ الكرَزِ الحُلوِ في شَفَتيْكِ،
أنا عاشِقُ الظلِّ ..
ظلِّ الرّخامِ المُفَلفَلِ في رُكبَتيْكِ
أنا عاشِقُ العِشقِ في ناظِرَيْكِ ..
تحطُّ فراشاتُ عينيَّ
فوقَ زُهورِ البَنَفسَجِ في حقلِ صَدركِ
من دُونِ إذني،
فيهطلُ شيءٌ غريبٌ غريبٌ ..
ويدفقُ مثلُ اللهيبِ بِوديانِ جِسمي
ويُشعِلُ فيها منَ النارِ ألسنةً
ليسَ يَقوى عليها انطِفاءْ.
وكيفَ تُراني أكونُ ملاكاً؟
ويسحَبُني عندَ خلواتِنا من يديَّ ذِراعُكِ
يملأ دمّي بِرائحةِ الفُستُقِ البربَريِّ
لأسندَ رأسِي عليهِ
وأحلمَ من فوقِهِ بالنّجُومِ
يُرافِقُني عِطرُكِ النّسويُّ
ويَبقى يَضُخُّ الزّوائدَ في جَسَدي
بصَهيلِ الدماءْ.
تُرى كيفَ لي أن أصيرَ ملاكاً
بحَضْرةِ عَينيْنِ مُثقَلَتيْنِ بغَيمٍ
وَرَعدٍ وَبرقٍ ونارٍ
ويُنذِرُ عُمقُهُما بانفِجارِ
بَراكينَ حبٍّ شَهيٍّ
ويَعقِدُ موعِدِ لُقيا شقيٍّ
ويُوقِظُ توْقاً لِشَهدٍ
يسيلُ على جنَباتِ ثَواني اللقاءْ.
دَعيني إذن أن أكونَ مَلاكاً بِنِصفيْنِ
نصفٌ، سماءٌ، أحبُّكِ فيهِ كتَرنِيمةٍ
تتسَلّقُ جُدرانَهُ كالضّياءِ المُقدّسِ
حتى أعالي الأعالي،
ونصفٌ، تُرابٌ، أحبِّكِ فيهِ
وأحملُ منهُ تَلهّفَهُ للسّحابِ
وللعَزقِ والحَرثِ والغَرسِ والدّرسِ
فيهِ أحبّكِ حتى الفَناءِ
أحبُّكِ حتى الفَناءِ ..
أحبُّكِ حتى الفَناءْ.