في «دافوس» لم يذهب رئيس الحكومة التركية ليرفع شعارات ثورية - لأن بلده ديموقراطي متعدد المذاهب والقوميات - لكنه ذهب ليمثل بلداً مهماً وركيزة في مناطق أوروبا وآسيا والأرض العربية، فكان رجب طيب أردوغان يحاكم موقف إسرائيل بلغة الوثائق والعدالة الدولية وعندما حرم بأن يكمل مرافعته ضد بيريز انسحب جاعلاً الحضور، وإسرائيل تحديداً مذهولة من الواقعة غير أن الوسيط والصديق للعالم الإسلامي، والعرب بشكل خاص، وإسرائيل أدرك نقص القانون والعدالة في الجدل حول الاعتداء على غزة، ومن هنا كانت الشجاعة الأدبية والأخلاقية لرجل شاهد وعايش الوضع الفلسطيني، وكيف تذهب قضية في سوق النخاسة أمام انحياز أوروبي، وأمريكي، وفي هذا المؤثر الدولي الذي حرك الأزمة، وذهب لأن تكون السياسة بجوار الاقتصاد، وأن الأمن العالمي إذا ما يرتكز إلى الواقعية، ورؤية الحقائق مجردة، فإن انتهاك حق الشعوب يصبح مجرد لعبة على طاولة القمار السياسي العالمي..
كنت أتمنى، وليس من منطق ثوري، بل إنساني أن تتضامن الدول العربية، والإسلامية مع أردوغان وتنسحب حتى تجعل ثقل المشكلة أمام مؤتمر دولي ليس مجرد تسلية بين خطباء، وإنما لتأتي في صلب الحياة والموت بين من يعتدي بدون عقاب، وبين معتدى عليه لم يستطع لملمة جراحه أو إيواء ومعالجة جرحاه ودفن موتاه..
في تركيا، والمحسوبة في نظر الغرب، ومعظم الدول الإسلامية أنها دولة علمانية طلقت بالثلاثة القضايا الحساسة، وقف الشعب التركي أمام زعيمه بكفاءة يستقبله كبطل ومسؤول وذي موقف يتعالى على المصالح في سبيل كلمة الحق والدفاع عن المظلومين، وهذا التضامن بين الشعب وقيادته ليس وليد طفرة جديدة في السياسة التركية، وإنما لفهم أن لها دورا وجوديا متضامناً مع موقف يحتاج إلى كشف الواقع لا المزايدة عليه، وحتى لو لم تتخذ إجراءات أكثر حدة بأن سحبت سفيرها، وطردت السفير الإسرائيلي فهي تتحدث بصيغة الدولة المسؤولة التي لا يملى عليها قراراتها وتوجهاتها، وهذا ما نحتاجه من الأخوة والأصدقاء وشركاء التاريخ والعقيدة في كل العالم..
وإذا كانت لتركيا مصالح حساسة وشراكة اقتصادية مع الاتحاد الأوروبي، والأمل أن تكون عضواً فيه، وأنها حليف لأمريكا، ولها روابط حساسة مع إسرائيل، فهي لم تقامر بذلك بأن تجامل، وتقف، كغيرها، على طرق الحياد ودون أن تكلف نفسها المساءلة وربما إثارة الجدل مع الشركاء والحلفاء، ولكنها أرادت أن تجعل لصوتها حقاً في الجدل لأنها ليست فقيرة اقتصادياً ولا بشرياً، وهي التي تؤكد حقيقة جغرافيتها أنها في الموقع المثالي الذي تحتاجه كل القوى في علاقاتها التجارية والاستراتيجية مع آسيا والوطن العربي وأوروبا والجسر الذي سيكون له الدور المميز في مستقبل الشراكة مع تلك الكيانات سلماً وحرباً..
المصدر :
مثالية «أردوغان» وشجاعته