تقاليد عُثْمانية
تنقرض كواكب ومجرات لكن ضوءها يستمر في السّفر الينا ، فنظن أنها على قيد الحياة.. والتقاليد ليست كلها ضوءا فمنها ما هو اشد حلكة من ليل بهيم ، ويبدو ان ما ترسب من البيروقراطية تحول الى صدأ مزمن في مفاصل الدولة العربية ومجمل تفاصيل الحياة ، فالباب العالي لا يزال قائما في العقل كما ان هناك اسوارا تهدم لكنها تمكث في الذاكرة واللاوعي.
كيف نفسر هذه البطالة وهذا الايقاع السلحفائي لمعظم مناحي حياتنا بعيدا عن تلك الحقبة التي تلاشت لكن الستار لم يسدل عليها بعد،
نسمع حكايات عن قضايا ومشكلات انسانية اشبه بقصص كافكا الكابوسية فثمة زواج معلق لاكثر من اربعين عاما وشهادة ميلاد أو موت شغلت الناس عقودا ، أما التراتبية الاجتماعية والنُّعوت التي تلتصق بالناس فقد تلاشى بريقها واصابها الصدأ ايضا لكنها لا تزال عالقة بالرؤوس. ان اسوأ ما افرزته تلك التقاليد الامبراطورية في الخريف العثماني هو تبديد الوقت ، فهو ليس من ذهب أو حتى نحاس ، لهذا لا قيمة للأيام ما دامت يوما واحدا متكررا.
كانت الألقاب الفوسفورية تشترى في الخريف العثماني ، واحيانا تباع في السوق السوداء ، وحين أمر بمقابر القاهرة التي تشبه قبورها القصور ، خصوصا في الحقبة العثمانية أقرأ على البوابات عبارات وألقابا تصلح مفتاحا ذهبيا لدراسات اجتماعية وسياسية عن تلك المرحلة.
أما كيف يزاوج العرب اليوم بين تقاليد وأعراف عثمانية وبين الحداثة وما بعدها فذلك بحد ذاته مشهد كوميدي بامتياز لكأن قرانا عجيبا عقد بين عصفور وبقرة ، وعلينا ان لا نندهش اذا انجبت البقرة مسخا شائها لا هو بالطائر ولا بالحيوان.
العربة العربية يجرها الى الأمام حصان مصاب بالأنيميا ، لكن ما يجرها الى الوراء هو قطيع أَحْصنة شرسة لهذا فنحن لا نراوح فقط كما يقال بل نسير القهقرى بقوانين نمو معكوس ويخطىء من يتصور ان قوانين النمو حكر على التقدم ، فالتخلف له حصته ايضا من هذا الناموس الكوني الأسود،
لقد أحصى بعض المثقفين ساعات العمل الحقيقي في عدة عواصم عربية ، فكانت أقل من ساعة واحدة في اليوم..
ولو أحصى هؤلاء ما يضيع من أعمارنا في طوابير الاحوال الشخصية والخُبز والمستشفيات الحكومية لاهتدوا الى تفسير كامل للمثل القائل ان فلانا مثل جبر ، كانت حياته خطوة واحدة بين المهد والقبر،
مفارقات حياتنا لا آخر لها ، لكن واحدة من أَعظمها هي زوال الغول وبقاء ظلّه!!