شيء يذكرنا بغياب الأصول كأشباهها ، لهذا فهي النقيض الحقيقي لها ، تماما كما أن الديمقراطية الملفقة والمنزوعة الدسم السياسي والفعالية الاجتماعية هي نقيض الديمقراطية الحقة، وإذا كان هناك ما يشبه الإجماع على أن الحداثة العربية تقهقرت وانحسرت خلال بضعة عقود لأن طلاءها تقشر ، فإن مرد ذلك إلى سببين أولهما ، التماهي مع الآخر ومحاكاة مظاهر حياته وأنماط سلوكه بمعزل عن الجوهر والثاني ، خداع الذات وإضاعة الوقت في إعادة إنتاج القديم بعد إضافة المساحيق التجميلية والتحديثية إليه ، وحين قرأت مؤخرا كتابا عن الحداثة لماكرلين يقول فيه إن بيان نعي الحداثة في المانيا صدر عام 1815 أي قبل أقل بقليل من قرنين ، اعترتني قشعريرة سرت حتى النخاع ، وتساءلت أية حداثة تلك التي ودعوها قبل قرنين؟ وأية حداثة تلك التي حبلت بها هذه الجغرافيا الشمطاء عدة قرون لكنها لم تولد بعد؟ إن المشهد العربي الآن ، بكل خيوطه يتكشف عن نسيج تالف ، وعن بنية تقليدية بالغ الرثاثة ، سواء تعلق الأمر بالسياسية وشجونها أو الثقافة وأنفاقها السرية أو الاقتصاد الربوي وبورصاته وأسواقه السوداء، وما نشاهده في كل عام من مرور شاحنات عقلية على ملايين السلع المزيفة دفاعاً عن السلع الأصيلة ، قد يكلف الشركات الصانعة الملايين ، لكنه يحميها من التقليد ، ويشعر زبائنها بالطمأنينة ، لكن مثل هذا لفرز القاسي والاشبه بجراحة غليظة لا يمكن تهجيره من عالم السوق والسلع إلى عالم الأفكار خصوصاً بعد أن ازدهرت صناعة البدائل والأشباه طبق الأصل ، وأصبح من العسير التعرف على الأصيل من الشبيه إلا إذا تصدى للأمر فقهاء ضليعون من طراز خبراء الكشف عن الماس واليورانيوم، والحداثة الزائفة ، تشبه خاتما مطليا بالذهب ، يحذرنا الصائغ من استخدام أية مادة كيمائية قد تفتضح حقيقته ، وتظهر صدأه القصديري.. والحفاظ على سلعة كهذه يتطلب تهريبها في كل لحظة من عرق الأصابع ومن الصابون وأحيانا من الماء والهواء.. لأنها غير محصنة ضد التأكسد ، وبقليل من التأويل نستطيع القول إن مثل هذا يحدث للمفاهيم والنظريات والأفكار فهي قد تكون بالغة القدم وفاقدة للصلاحية بل سامة ، لكن ما يضاف إليها من طلاء قشري واكسسوارات قصيرة العمر ، قد يخدع بعض الناس لبعض الوقت ، وتكون الصحوة بعد انقضاء السكرة كما يقال.. وبعد فوات الأوان في غالب الأحيان، إن ديمقراطية المعجنات الرخوة ، والتي تصلح عينات منها للعرض فقط لا تصلح لحل أزمة بسيطة بين جارين أو زميلين ، فكيف سيواجه الناس بها خلافات عقائدية وتقاطعات سياسية وايديولوجية؟ إنها على الأرجح ترسب في أول اختبار ، ويعاني الناس بعد ذلك فراغاً مزدوجاً هو غياب الأصل ، وفساد الشبيه، ولا ندري كيف يفوت على البعض تفسير ما يجري الآن من نكوص وتقهقر إلى المربعات الأولى ، في الصراع العقائدي والمذهبي وسائر التناقضات؟ ذلك لأن السبب إذا عرف يبطل العجب ، والسبب هو باختصار أن ذهب الحداثة لم يكن ذهباً على الإطلاق ، بل هو قصديري مطلي بقشرة هشة.. أما المفارقة فهي توظيف الحداثة لتكريس الإتباعية.. وتسخير التكنولوجيا لبث الحياة في الخرافة،،