بالحرب الأميركية البريطانية على العراق، تستكمل الأسس التي سيستند اليها صنع السيادة الاسرائيلية على العالم العربي، انها حرب تفتح لهذه السيادة الأبواب من علٍ، وبضجة من الوعيد، يتسرب فيها صوت خافت من الوعد: “السلام”، “الحرية”، “الديموقراطية”. كأن هذا كله لا يجيء الا مع الصواريخ، ومع قاذفات القنابل. وكأن هذا كله لا ينهض الا على أنقاض المدن وجثث البشر.
وكما قدم الفضاء العربي لتحرك هذه الحرب، فسوف يقدم لتحرك النظام الاسرائيلي، في استسلام “عربي” “وقائي”، شبه كامل. وسوف يخطط، من الآن فصاعداً، لتدمير أية نواة لمقاومة الهيمنة الاسرائيلية، أي لتدمير أية نواة للحرية.
هكذا يعطى لاسرائيل ان تبدأ بكتابة تاريخ جديد آخر لهذا العالم العربي. ويعطى لهذه “الولاية” التابعة أن تصبح “العاصمة المركز” للولايات المتحدة في شكلها الامبراطوري الجديد عاصمتها في الفضاء العربي. على الاقل.
« 2 »
هكذا تشارك بعض الانظمة العربية في التأسيس لنوع جديد من الحرب الظالمة، الوحشية التي لا سابق لها في التاريخ. وصفها توماس فريدمان بأنها “حرب اختيار لا حرب اضطرار”. وهي، اذاً، حرب يمكن ان تتجدد باستمرار. فهي دائماً على الابواب. الاقوى “يبتكر” أعداءه، ويختار حروبه عليهم. وبوصفها حرب اختيار، يمكن القول عنها انها البيان العملي العسكري الاول للعولمة، وللهيمنة الواحدية.
« 3 »
طبعاً، لا يمكن الدفاع عن نظام صدام حسين. لكن، أليس في كل نظام عربي شيء منه؟: النظام وأصحابه قبل البلاد والشعب وفوق البلاد والشعب. وهذا هو ما دمر العراق نظاماً وشعباً ووطناً.
لا شك ان بين العرب من يقرأ هذه الامثولة، ومن يعتبر بها او من سيأخذ منها العبرة. لكن، هل ستفعل ذلك الانظمة نفسها؟
تكراراً، لا يمكن الدفاع عن نظام صدام حسين، لكن كيف يمكن ان يصمت العرب على هذا النوع من الحرب، أو يسهلوها، أو يشاركوا فيها، بشكل أو بآخر، مداورة أو مباشرة؟
أحتلك لكي أنقذك؟ أستعبدك لكي أجعلك سيداً؟
أم أن في هذه الحرب تطابقاً مع الحكمة “النظامية” العربية: أسجنك لكي أعطيك الحرية؟
في كل حال، يمكن أن نصف قبول بعض الأنظمة العربية لهذه الحرب بأنه “معلّقة” جاهلية أخرى في اتجاه آخر، ولغايات أخرى. ولم تسهم هذه الأنظمة في كتابتها وحسب، وإنما أسهمت كذلك في غنائها، وفي الرقص على إيقاع هذا الغناء.