ليس شأن هذا المقال شتم القمة العربية، ولا ربما نقدها. فالشتم مرفوض والنقد يتم عادة لموقف فيه محتوى ما، ولكن في هذا المحتوى إعوجاج معين يجدر التاشير إليه. قد يكون الأفضل هو التحذير من ألغام تضعها هذه المرة، المستويات الرسمية العربية، وتحديداً جامعة الدول العربية.
أصبح مألوفاً في الشارع العربي أن لا تحقق القمة شيئاً. وقد يكون من أبلغ ما قيل فيها، وقوف مواطن عربي أمام الكاميرا ليقول: "لا يعملون شيئاً، إنهم يلتقون ليأكلون". أهمية هذا الحديث هو ان هناك جوعاً في الطبقات الشعبية العربية، لا تهتم به القمة، فهي التي خلقته.
ما لفت النظر أن أمين عام الجامعة العربية عمرو موسى، قد حظي بتجديد منصبه لمرة أخرى. والسيد موسى كان قد عمل وزيراً للخارجية المصرية لسنوات عديدة فيها تم تكريس العلاقات مع الكيان الاشكنازي، وفيها تم تكريس التطبيع وإضعاف المقاطعة، وفي ولايته للجامعة جرى إحتلال العراق وتدميره. لذا كان عمرو موسى الشخص المناسب للجامعة العربية في هذه الحقبة، حقبة التطبيع الرسمي، ولكن هذه المرة مع القادم الطائفي المغطى بالاستعمار الاقليمي والعالمي. قال السيد عمرو موسى في القمة ما لم يقله اي تطبيعي عربي. قال، "نحن نتفهم المصالح الإيرانية والمصالح التركية في العراق". والسيد عمرو موسى، زار العراق تحت الاحتلال، اي : "تفهم المصالح الاميركية في العراق".
يذكرنا هذا بحديث جورباتشوف حينما كان يضع الديناميت تحت اسس الاتحاد السوفييتي، إذ ذكر في كتابه "البريسترويكا": "نحن نتفهم المصالح الأميركية في الشرق الأوسط". فحينما يتفهم السوفييت مصالح أميركا التي هي دور استعماري واستغلالي وتدميري، فمعناه قيام دولة عظمى في حقبة الغروب بالتسليم للآخرى. وهذا ما حصل.
ما معنى أن تتفهم جامعة الدول العربية مصالح القوميات القديمة حول الوطن العربي؟ كل واحدة منها مثابة إمبريالية رثة لها أطماعها الاقليمية من جهة، ومستعدة لمساومة المركز الرأسمالي الغربي لتقاسم عملية استعمار العراق.
بدل أن يكون دور الجامعة العربية الدفاع عن العراق والوقوف في صف المقاومة، وبدل أن يرد عمرو موسى على دعوة نائب رئيس مجلس الثورة العراقي عزت الدوري بالاعتراف بالمقاومة كممثل لشعب العراقي، ركعت الجامعة في أحضان الطامعين في العراق؟ لم يجرؤ أحد من القادة هناك على مجرد ذكر دعوة المقاومة.
عقدت القمة بزعم رفض تفكيك القطر السوداني، وخاصة مشكلة دارفور، ولكنها كرست تقسيم لبنان. ففي نفس الاجتماع تم استقبال رئيس الوزراء اللبناني الذي يقضي في السفارة الاميركية من الوقت أكثر مما يقضيه في بيروت نفسها، وسمح للسنيورة أن يتخذ موقعاً بعيداً ومنفصلاً عن موقع رئيس الجمهورية إميل لحود. أي جرى الاعتراف بلبنان ك "دولتين". وهذا اول وأخطر تطبيق لما تريده الولايات المتحدة، اي إقرار جامعة الدول العربية بتفكيك كل قطر من الداخل بما يتطابق مع مصالحها ومصالح عملائها.
لماذا لا نتوقع في القمة المقبلة أن تذهب إلى هناك كافة حركات الانفصال والعملاء العرب ويحضرون كدول مستقلة في مواجهة الحكومات المركزية. وبالتالي يصبح للجامعة دوراً طائفياً، اي أدنى من الدور القطري الحالي.
من يدري، فإذا ما استمر الاستقطاب داخل الاراضي المحتلة 1967، فقد تذهب مؤسسة الرئاسة الفلسطينية كطرف، ومؤسسة التشريعي والحكومة كطرف، وأن تذهب منظمات "الأنجزة" التي ستحصل على نصيب الأسد من التمويل الأجنبي باعتباره الطرف الرئيسي؟
وحتى الذين لم يحضروا من الحكام العرب، فهم بالتأكيد ليسوا ضد الخراب في "القمة" وإنما لتسهيل انتشار الخراب وتمريراً للمطلب الأميركي.
لا مكان للراي العام العربي في القمة العربية، لأنه لا قيمة للرأي العام داخل القطر الواحد. ليست هناك من ديمقراطية ولا مجتمع مدني. وطالما الأمر على هذا النحو، فإن المطلوب هو جامعة للشعب العربي وليس للأنظمة العربية. مطلوب جامعة لمواجهة الجامعة الحالية، ومطلوب تجاوز الأنظمة داخل القطر الواحد وعلى الصعيد القومي نفسه .