ستكتشف حماس، آجلا والأفضل عاجلا، أن "مقارباتها التبسيطية" لمشكلات السلطة وتحديات الواقع الفلسطيني، لا تجلب نفعا ولن تدرأ ضررا، بل أن كلفة الإصرار على تبني مثل هذه المقاربات، تتخطى قدرة الشعب الفلسطيني على الاحتمال، وأن أطواق العزلة التي تشتد حول الشعب الفلسطيني لا تتهدد حقوق الفلسطينين وتطلعاتهم الوطنية، بل أخذت تقترب شيئا فشيئا من لقمة عيشهم وحبة دواء أطفالهم. الحصار الاقتصادي والمالي والنفطي للشعب الفلسطيني وسلطته الوطنية، الصناديق الخالية ورواتب الموظفين التي لم تدفع منذ عدة أشهر، عودة الإدارة المدنية الاحتلالية، الحصار الديبلوماسي ووقف الاتصالات السياسية، مشروع أولمرت المنسق أمريكيا، التصعيد العسكري الإسرائيلي اليومي، التخاذل العربي وشروط ''الرباعية الدولية''، ليست سوى بعض أوجه المأزق الفلسطيني الذي لم تعد تنفع معه العبارات الفضفاضة والشعاراتية التي لم تقدم أو تؤخر. لقد اختارت حماس طريق المشاركة، ووصلت إلى السلطة عبر صناديق الاقتراع، تعبيرا عن ثقة الشعب الفلسطيني بها، لكن هذه الثقة لن تستمر إلى الأبد، وهي قابلة للتآكل مع كل إخفاق تقارفه حماس، سواء لجهة تحسين الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية للشعب الفلسطيني أو لجهة ضبط الفوضى والفلتان والفساد. الشعب الفلسطيني اختار حماس رغبة منه في تخليص السلطة من فسادها، لا التخلص من السلطة ذاتها، والعودة مباشرة لعهد الاحتلال المباشر والإدارة المدنية. الشعب الفلسطيني اختار حماس لتحسين أوضاعه الاقتصادية والاجتماعية، لا للغرق في العوز والفاقة، والشعب الفلسطيني اختار حماس لضبط الفوضى والفلتان، فإذا بهما يتفشيان أكثر من أي وقت مضى. الشعب الفلسطيني اختار مقاومة حماس بعد فشل عملية السلام، فإذا به يواجه احتمال خسارة مساري التفاوض والمقاومة على حد سواء، ليس لدى حماس بعد أن وصلت إلى السلطة، سوى أن تتصرف كسلطة، وأن تفتح صفحة كاملة من التعاون مع الرئيس محمود عباس للخروج بالشعب الفلسطيني من مأزق العزلة والحصار، ليس أمامها من خيار إن هي ظلت مستمسكة بالسلطة، سوى تسريع خطوات تكيفها مع مقتضيات السلطة وشروطها، فالوقت لا يعمل في صالح حماس وهو بالتأكيد لا يعمل لصالح الشعب الفلسطيني وقضيته الوطنية، وستكتشف حماس، آجلا والأفضل عاجلا، أن البقاء في السلطة، أصعب من الوصول إليها، ستكتشف مع كل يوم يمر، أنها استعجلت كثيرا إذ استسلمت لشهيتها المفتوحة للسلطة من دون أن تكون جاهزة لدفع استحقاقاتها، وأن ''خيار الإبقاء على مسافة من السلطة'' كان الخيار الأفضل للحركة برغم فوزها الساحق في الانتخابات. قبل ثلاثة أعوام دفع الشعب الفلسطيني ثمنا باهظا من العزلة والحصارات التي فرضت على رئيسه الراحل، وها هو اليوم يدفع ثمنا أشد قسوة وكلفة، وفي التجربتين كان الاحتلال والعدوان والتوسع يحظى بفهم العالم وتفهمه ؟!.