على نحو غير مسبوق تكشف وقائع الأيام الراهنة وتفاصيل المشهد العربي المعاصر عن حال من الوهن والانحطاط وانعدام الوزن والدور والنفوذ لم يعرفها تاريخ العرب في اي فترة من فتراته حتى في اكثر القرون سوداوية وتخلفا ونحسبها في عهد المغول والدولة العثمانية حتى مطالع القرن العشرين الذي شهد انهيارها على يد المستعمرين وليس على يد العرب..
قد لا يكون التشاؤم هو التقييم الصحيح للحال البائسة التي بتنا عليها لكن ان يتوفر المال بالمليارات وان يقتني العرب أحدث ما انتجته الثورة التكنولوجية وثورة الاتصالات وأن تحفل مدنهم وقصورهم ومنازلهم بما يضاهي - ويزيد - ما هو موجود في بلاد العالم المتقدم وان يمتلكوا من اذاعات F.M والفضائيات اكثر مما لدى ثلاث قارات ويزيد، ويكونوا على هذه الدرجة من «الصفرية» في كل شيء في السياسة وفي الدبلوماسية وفي الاقتصاد وفي الانتاج السلعي وفي الناتج القومي والتنمية وفي حقوق الانسان وسيادة القانون وتمكين المرأة والديمقراطية و«الانتخابات»، وتداول السلطة والتعددية والشفافية والمساءلة والمحاسبة والادارة والتعليم العادي والعالي على حد سواء فهو أمر لا يطاق ويبعث على الخجل والرثاء اكثر مما يبعث على الشفقة وهم يصطنعون حال الضحية والمؤامرات التي لا تنتهي..
الاغرب من ذلك كله هو أنهم (عرب الانظمة وعرب الاحزاب وعرب المجتمع المدني على تواضع مؤسساته) واقعون «ضحايا» اكاذيب واوهام اخترعوها فصدقوها وعملوا وفق سيناريوهات تضخم الذات التي كتبوها بمداد من النفاق والتزوير والفهلوة السياسية والحزبية والادارية والاقتصادية وكل ما يخطر على البال حتى باتوا «مضرب» الامثال في عالم اليوم الذي لا يحترم غير المنتج والديمقراطي والمنفتح والحداثي.
صدق العرب او اكثريتهم ان العالم في حاجة اليهم وانهم مثل ما هي ارضهم في موقعها الجغرافي تتوسط المعمورة فاعتقدوا وكل اعتقادهم آثم ان هذا العالم «لا ينام» الا بعد ان يتأكد من سلامة العرب وبعد ان يطمئن الى انه (العالم) قد لبى لهم كل مطالبهم (الا تسمعون كل يوم من يطالب «من العرب» بأن على العالم ان يتحرك وان على الولايات المتحدة والاتحاد الاوروبي والرباعية ان يتحملوا مسؤولياتهم وان...).
يخطئ العرب وخصوصا الانظمة منهم، بل هم يقعون في الخطيئة اذا ما اعتقدوا ان الكرة الارضية ستتوقف عن الدوران اذا لم تحل مشاكلهم.. ويخطئ العرب كثيرا اذا ما بقوا اسرى اوهامهم وترهاتهم التي لم تعد تنطلي على احد..
واذا لم يتحركوا نحو التغيير بما هو مطلب، بل ضرورة حياتية، فإنهم سائرون لا محالة الى الهاوية وان التباطؤ الراهن في سيرهم نحو هذه الهاوية الحتمية ان هو الا لعوامل خارجة على ارادتهم وربما هي ارادة دولية بأن الوقت لم يحن لدفن العرب لأن لديهم ما يقدمونه من نفط وفائض اموال وحقول تجارب لحروب ومنتجات عسكرية من طائرات ودبابات وصواريخ واعتدة وقنابل لم تجرب بعد فهم ساحات قتال، وهم مشترون لفائض مخازن الاسلحة او المصانع العسكرية الغربية «او خردتها».. وهم «كيس الملاكمة» التي يجرب بها العالم «بما فيها اسرائيل» بالونات اختباراتهم ومشروعاتهم السياسية وتلك الاصلاحية (الشرق الاوسط الاكبر، وجدار الفصل العنصري والمناطق الامنية العازلة في جنوب لبنان وشمال قطاع غزة وعن اتفاقيات الفصل على الجبهتين المصرية والسورية حدث ولا حرج، ما بالك عن التطبيع وملحقاته).
قد نكون ذهبنا بعيدا وتجاوزنا الخطوط الحمر عندما قمنا بنعي العرب لكنها الحقيقة العارية بما هي اضاءة على راهن عرب اليوم الذين استمرأوا دفن الرؤوس في الرمال وابدوا حرصا عاليا وغير مسبوق على عدم استفزاز «الغرب» او تعكير صفو مخططاته الجاهزة.
ثمة حاجة الى ايراد مثالين ساطعين على مكانة العرب في نظر الغرب.
الاول من صناعة الولايات المتحدة وفي داخل البيت الابيض الاميركي اما الثاني فهو ليس بعيدا عن الصناعة الاميركية وان كانت بعض الاجزاء الداخلة فيه اوروبية.
* * *
في الاسبوع الاول من هذا الشهر وتحديدا في السادس منه التقى الرئيس الاميركي جورج بوش بثلاثة عشر وزير دفاع وخارجية اميركيين من ديمقراطيين وجمهوريين بهدف الاستماع الى نصائحهم او ايجاد موقف ما حول العراق.. الصحف التي نقلت ما جاء في الاجتماع غير المسبوق في تاريخ الولايات المتحدة قالت ان كولن باول اول وزير خارجية في عهد بوش الابن لم ينبس ببنت شفة فيما حدثت «مشادة» بينه وبين مادلين اولبرايت وزيرة الخارجية في عهد كلينتون والاهم من ذلك (وهذا هو سبب ايراد هذا المقال) ان اولبرايت سألت الرئيس ما اذا كانت المسألة العراقية تأخذ القسط الاكبر من طاقة واهتمامات بوش وفريق وزارة الخارجية مما يعطل اهتمامه بقضايا عالمية اخرى تستحق المتابعة والاهتمام (انتبهوا للعبارة التي تستحق المتابعة) مثل البرنامجين النووين الايراني والكوري الشمالي والاوضاع في اميركا اللاتينية والصين؟.. انتهى كلام اولبرايت.
هل تلاحظون ان رئيسة الدبلوماسية الاميركية الشهيرة التي تستقبل بحفاوة في بلاد العرب لم تأت على ذكر قضايا الشرق الاوسط .. فلسطين «لبنان وسوريا»!.
* * *
المثال الثاني والاكثر اهمية ودلالة هو ما كشفته مصادر عسكرية اسرائيلية قبل عطلة عيد الأضحى عن موافقة حلف الناتو (شمال الاطلسي) على وجود مندوب دائم من الجيش الاسرائيلي في صفوف قيادتها وان هذا المندوب الاسرائيلي سيرابط في قيادة حلف الناتو في اطار مكافحة الارهاب.
هذا التطور يعني وفق المصادر الاسرائيلية ذاتها وصول التعاون بين اسرائيل والاطلسي الى مستويات غير مسبوقة بل تزيد هذه المصادر على ذلك لتقول ان مندوبين عسكريين اسرائيليين دعوا للمشاركة كمراقبين في مناورات عسكرية اجراها الحلف في اواخر العام الماضي كما قامت قيادة المنطقة الجنوبية في الناتو بعقد اجتماع لها في اسرائيل لاول مرة في تاريخ الحلف.
ماذا بعد.. هل ثمة اسئلة او تساؤلات حول حال الانحطاط العربي.
الغريب انك تجد دائما من يهزج ويقول امجاد يا عرب امجاد.
إدراج صور النساء أو الأغاني .. يعرض العضو لإنذار إداري مع حذف الموضوع ، بدون سابق توجيه وهذا نهج المنتدى منذ سنوات عديدة مضت ..