هناك نكتة سياسية سوداء شاعت عندما كان الاتحاد السوفياتي في ربيعه، وهي ان موسكو هي عاصمة الديمقراطية في هذا الكوكب، تستطيع ان تقول فيها كل ما تشاء عن واشنطن، وعن البيت الابيض، اما البيت الاحمر فلا تقترب منه، لان المحظور ليس التصوير فقط بل الكلام ايضا، وكانت أولى تباشير الخريف قد لاحت في عز الربيع، الذي اقترن ببراغ وما سماه البعض دخول الدبابات الى غرف النوم! ولأن العرب التقدميين جدا، والذين يرون في اليسار مجرد موقع الجيب على السترة الخضراء المرصعة بالأوسمة، فقد اصبحت تلك النكتة بالنسبة الى شعوبهم اشد سوادا وأقل اضحاكا، الا اذا جاء الامر على طريقة شر البلية ما يضحك. فالديمقراطية العربية التي ازدهرت خلال العقود الاربعة الماضية تلخصت في ان تقول ما تشاء عن بغداد في دمشق وعن القاهرة في الخرطوم وعن الجزائر في الرباط، فالجميع دائما على حق اذا كنت مقيما في حواضرهم. واذكر ان بعض الظرفاء اضاف الى تلك النكتة هامشا حالك السّواد، عندما قال عليك ان تسافر بالطائرة ثلاث ساعات على الاقل كي تعرف ما الذي يجري في بلدك ومن حولك.. واحيانا في دارك! انتهت الحرب الباردة وادبياتها لم تنته بعد، وكذلك ظلالها التي اعتراها الشحوب، وما يزال في هذا الكوكب اناس يعتقدون بأن عقارب الساعات قد تتوقف من أجلهم او تدور الى الوراء اذا أرادوا، لانهم يعتقدون بأنهم محور الكون، وان الشمس تشرق من أجلهم فقط، وان الموت هو للآخرين وكذلك الألم، اما الحالمون بحرق المراحل، والقفز من القرن التاسع عشر الى القرن الحادي والعشرين فهم الوجه الآخر لهذه العملة التي لم تعد قيد التداول، فالديمقراطية ليست كبسولات مضادة لهذا الارث الطويل من فلسفة الاقصاء والاستفراد يتناولها الناس وفق وصفات ممهورة بتوقيع طبيب ماهر.. ثمة طريق وعر، ومليء بالكمائن والافخاخ يجب ان يقطع على الاقدام الحافية قبل بلوغ ذلك المفترق الحاسم بين القطيع والفرد، وبين الوصاية وبلوغ سن الرشد، وقد يكون زمن التنفيس بالنكات السوداء قد ولى بسبب هذا الانسحاق وهذا الاحساس باللاجدوى، بعد ان تكسرت المفاتيح كلها في الأقفال.. ان جدول الضرب في الديمقراطية يبدأ من حقك في ان تقول ما تريد عن واشنطن في واشنطن وفي موسكو عن موسكو وليس العكس.. فهل ثمة ما يُنبىء عن بلوغنا هذه المرحلة ام اننا سنراوح نصف قرن آخر في الحفرة ذاتها؟؟