حتى الآن، يبدو ان انتخابات الرئاسة الفلسطينية باتجاه الحصول. وقد لا يكون العامل الاكثر تقريراً لحصولها هو موقف او رغبة الشارع الفلسطيني في ذلك، بل القرار والموقف الغربي الراسمالي الذي يحاول صناعة ديمقراطية في الشرق على مقاس الغرب. وأبعد من هذا، فهو يريد تبيان ان "الانتخابات الديمقراطية" عند العرب ممكنة فقط تحت إشراف الاحتلال والاستعمار. ورغم هذا، فباعتقادنا ان هذه الانتخابات لا بد من حصولها، ليس كما يزعم الكثير من المرشحين او القوى السياسية الفلسطينية انها انتخابات تنعقد بعيدا عن أوسلو بزعم ان أوسلو انتهى. هي ضرورية لأن اتفاقات مدريد ـ أوسلو تحديداً قد خلقت مناخاً اجتماعيا اقتصاديا ثقافيا خطيرا في الاراضي المحتلة سواء بالفساد او المحسوبيات او البلطجة او التقشيط او عدم التنمية...الخ، وهو حال لا يمكن السكوت عليه مما يجعل الانتخابات محاولة قد تصحح بعض الخراب. وعليه، فقد نجحت الاطراف التي صاغت أوسلو في إرغام رافضي أوسلو على التعاطي مع بعض نتائجه وآثاره المدمرة في محاولة لمحوها، وليس القبول بأوسلو نفسه. إن شعورا بوجوب حماية البلد هو أمر ضروري في هذه الفترة، وبالطبع ليس النجاح في ذلك بالامر السهل! ولكن الاطراف التي صاغت أوسلو وتمفصلاتها حتى خريطة الطريق والتي تزعم أنها حامية الديمقراطية قد ارست اسساً لتزوير من نوع جديد قد لا يمكن لمسه ببساطة، دعنا نسميه التزوير المستور. فمنذ مرض الرئيس عرفات بدأ الحديث في الغرب الرأسمالي عن أن فرصة جديدة تتبلور في المنطقة لصالح "السلام". وما ان رحل الرجل حتى بدأ التسابق الامريكي ـ الاوروبي على تقديم المساعدات المالية للسلطة الفلسطينية للانفاق على الانتخابات. وهذا بحد ذاته دعم مالي للحملة الانخابية لمرشح السلطة الذي سيتحكم بالاموال وينفقها لصالح حملته. وحتى لو انفق جزءا منها على مرافق عامة ما فسيكون ذلك دعاية للسلطة التي هو مرشحها. وحيث ان الانتفاضة الحالية قادت الى الكثير من الضيق الاقتصادي والمعيشي للشعب في الارض المحتلة، فإن التلميح بل التصريح من الغرب الرأسمالي بدعمهم لأبي مازن معناه دعاية انتخابية للرجل الذي سيجلب "الخلاص" للناس. لذا نجد الكثير من المواطنين العادين الذين يقولون أن ابا مازن هو الانسب هذه المرحلة. ولو أعلن الغرب انه ضد ابي مازن لما كان هناك تعلق وأمل من المواطن العادي به وبالتالي لكان للناخب رأي آخر. وإذا كانت الانظمة الراسمالية الغربية هي الداعمة لأبي مازن في هذه المرحلة، فهي لا شك لم تتناقض مع نفسها تجاه دعم مرشح المنظمات غير الحكومية (الممولة من الغرب) مصطفى البرغوثي. فالغرب الحاكم يعرف ان هذه المرحلة لا تسمح بنجاح غير ابي مازن كي تمر التسوية او سلام راس المال محمولا على قوة قاعدية جماهيرية وهي التي يفتقر لها مصطفى البرغوثي رغم توظيفه للمئات في منظمته غير الحكومية (الاغاثة الطبية) وفي هذه الصحيفة او تلك وهذه الفضائية او تلك. وقد تكون المفارقة ان هؤلاء انتقلوا من اشلاء اليسار الفلسطيني، وإذا بهم موظفين على كادر الدعم الامبريالي الغربي! كان السيد عرفات ممثلا لحكومة منظمة التحرير الفلسطينية، وسيكون ابو مازن ممثلا للحكومة الانتقالية ما بعد حكومة منظمة التحرير الفلسطينية وحكومة فلسطينيي امريكا. وعليه، فإن الدعم المالي السخي من الغرب الراسمالي للمنظمات غير الحكومية هو دعاية او تقوية انتخابية للسيد البرغوثي مما أتاح له إمكانات لا يستطيعها عبد الستار قاسم على سبيل المثال. وعليه، يكون الغرب الراسمالي قد مول سلفا الحملة الانتخابية لكل من محمود عباس ومصطفى البرغوثي . وحيث ان نفس هذا الغرب هو الذي سيرسل مراقبين على صناديق الاقتراع، فإن هذا تزوير آخر. فلم يعد خافيا ان الرئيس الاميركي الحالي قد فاز في دورة انتخابه الاولى بالتزوير. أما منافسه فقد اضطر للقبول بالامر ومبايعة خصمه لأن الشركات الكبرى او ممثلي راس المال همسوا في أذنه قائلين: "بغض النظر عن اصوات الناخبين، فإن جورج دبليو بوش هو مرشحنا". وهكذا كان. وحتى في الدورة الثانية فإن اصوات ولاية اوهايو لا تزال مثار شكوك بالتزوير فيها مما انجح بوش ثانية. ورغم المزاعم "المقدسة" بأن بريطانيا معقل الدمقراطية فإن تاتشر لم تفز في الدورة الثانية إلا بعد عدوان طبقي هائل قامت به ضد نقابة العمال الاساسية في بريطانيا اي نقابة عمال المناجم وانتهت بتصفيتها. لعل الامر الاهم هنا هو كيف يمكن للمراقبين الغربيين ان يكونوا محايدين في هذه الانتخابات وهم ممثلون لطبقات حاكمة لها مصالح استعمارية وعدوانية في الوطن العربي وخاصة في فلسطين. فالانظمة الحاكمة في بلدانهم بنت وتسلح اسرائيل وتقاتلنا نيابة عنها سواء هنا في فلسطين او العراق او السودان! ناهيك عن هجومها الاكثر خطورة في مشروعات متلونة مثل الشرق الاوسط الكبير ومنتدى المستقبل...الخ. هل من شك ان هؤلاء المراقبين هم كالبعثات الدبلوماسية للغرب الراسمالي لا بد ان تخدم سياسة حكومات بلدانها! فلماذا نأتمنهم على بلداننا؟ وعليه، سيغض هؤلاء النظر عن التزوير لصالح المرشحين المقربين من الغرب سواء في السلطة او المنظمات غير الحكومية. من يقرأ جريدة القدس يوم 13 -12 -2004 وأقصد الخبر المتعلق بأوكرانيا حيث تقول مصادر اميركية بوضوح انها انفقت 65 مليون دولار عبر المنظمات غير الحكومية لأنجاح المرشح الموالي للغرب! فإذا كان هؤلاء يفعلون ذلك في اوكرانيا فما الذي يمنعهم عنه هنا! إن حالة الذل الشرقي والشعور بالدونية والاستطراب للتبعية تفقد الكثيرين منا الجرأة على القول للغربي بأنه مزور وخطير ومعاد وبالتالي مرفوض! لماذا لا يكون المراقبون من جنوب افريقيا والصين والهند وفيتنام مثلا؟ إذا صح الحديث عن أن مسؤولي صناديق الاقتراع سيكونوا مدراء المدارس في الضفة والقطاع، فهذا أمر في منتهى الخطورة وسيكون فيه مناخا لتزوير الاقصى. فكم من مدراء المدارس سوف يخاطر بوظيفته إذا كشف تزويراً لصالح مرشح السلطة! أما المدراء المعينون بالمحسوبية فسيكونون "طلائع" التزوير. ويبقى تزوير المرحلة هو الاخطر. فقد شارك الناخب في الانتخابات السابقة أملا في سلام يأتي به اتفاق اوسلو الذي صاغه الغرب الرأسمالي والصهيونية. والذي كان جوهره "سلام لراس المال". وسيشارك الناخب اليوم ايضا على أمل تحسين حياته بعد سنوات التدمير والتجويع وسينتخب مرشح السلطة والمنظمات غير الحكومية ليكتشف المواطن مرة اخرى أنه سقط في شرك أوسلو الجديد. والحقيقة، ان هذا ليس ذنب المواطن وحده ولا ذنب المقربين من الغرب بل ذنب من يفهمون المعادلة ولا يتحركون لإنقاذ الناس.