اتابع بأسى شديد الحوارات المتصلة للمثقفين العرب في الصحافة المصرية، خاصة بعد انفضاض مؤتمرهم وصدور ( اعلان القاهرة الثقافي )، واعجب لهذه الحال من الاسفاف الذي انتهى اليه المثقفون العرب، ولا اعجب اطلاقا لحال الامة المنهار ما دام حالها انعكاسا لحال مثقفيها. اعجب لهذه الحملة الشعواء المسعورة على الخطاب الديني الاسلامي، وعلى الرغم من انني لست محسوبا على التيار الاسلامي، الا انني، استهجن هذه الحملة على الخطاب الديني ولا ابرئها، بالمطلق، من التناغم مع الضغوط الاميركية والصهيونية لتجريد الأمة من خطابها الحضاري ومن انتماءاتها القومية، وهي الحصن الوحيد المتبقي لتلوذ به الاجيال القادمة وتحصن نفسها امام عدمية العولمة وامركتها الفاضحة. لم اعجب مطلقا لما قاله ادونيس او العفيف الاخضر او غيرهما من المستشرقين العرب المقيمين في اوروبا، والذين عرفنا مخازيهم وآراءهم المسمومة عبر الفضائيات، فمعظم هؤلاء لم يتوانوا لحظة عن الهرولة في طابور المطبعين مع اسرائيل والمرتمين في احضان الصهيونية والشاتمين لتاريخهم وتراثهم، ابتغاء لمرضاة لجنة جائزة نوبل المتصهينة. عداء بعض المثقفين العرب لتراثهم وانتمائهم الحضاري ليس مؤشرا على سقوطهم فحسب ولكنه مؤشر على مرحلة خطيرة من تاريخ هذه الامة، يتحول فيها من يفترض انهم ضميرها، الى اعداء ينهشونها ويتآمرون على تاريخها وشخصيتها ومقومات وجودها بدعوى الاصلاح وتجديد الخطاب الديني. لو ان المطالبة الاميركية الصهيونية للدول العربية والاسلامية باعادة النظر في مناهجها التعليمية تنطوي حتى على مجرد الاشارة الى تطوير هذه المناهج بما يتماشى مع التطور العلمي والتكنولوجي اضافة الى اعادة النظر في المناهج الدينية والتاريخية والقومية، لقلنا ان في الأمر ما يستدعي التأمل والتفكر، ولكن حين تنصب المطالبة على اعادة النظر في التربية الوطنية والدينية بهدف تقليم الاظافر ونزع الاسنان وتجريد التراث من كل ما يحض على الدفاع عن الوطن او تحرير الارض او التصدي للاعداء، فذلك امر لا يستدعي الرفض فحسب ولكنه يستدعي القتال من أجله والتشبث به، فالعدمية القومية لم تؤسس دولا ولم تحفظ امما من الاندثار، بل لقد اسهمت هذه العدمية في تسريع انحدار الامم نحو النهاية، وهو بالضبط ما تريده اميركا ومن ورائها اسرائيل للأمة العربية والاسلامية. قبل يومين حذر رئيس الوزراء الماليزي مهاتير محمد من حرب حضارية قد بدأت تطل برأسها بين الغرب والاسلام، ليس اعتمادا على ما قاله جورج بوش الابن في زلة لسانه المشهورة قبل البدء بعدوانه على افغانستان ومن بعدها العراق، ولكن اعتمادا على ما تمارسه اميركا او تطلبه من الدول العربية والاسلامية بدءا من الباكستان مرورا بالسعودية ومصر وانتهاء بالمغرب العربي. الا يخجل بعض المثقفين العرب من الاصطفاف الى جانب حملة بوش الصليبية، ويجعلون من انفسهم مجرد ادوات اعلامية او حتى دواليب في عربة الحقد الصهيوني والاصولية الاميركية ضد العرب والمسلمين؟