| آيات الرحمن في غزوة سبتمبر بسم الله الرحمن الرحيم آيات الرحمن في غزوة سبتمبر الحمد لله ، وبعد : فبعد مضي عام على الغزوة المعروفة بـ(غزوة سبتمبر) ، أحببت أن أذكر بعض آيات للرحمن - جل جلاله - تجلت وظهرت فيها ، وفي ذلك عبرة وعظة لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد ، ولست أعني هنا الحديث عن مشروعية العملية من عدمها ؛ فإن هذه المسألة قتلت بحثا ، والعملية مضت وانتهت ، ولكني أريد أن أذكر ثمارها ونتائجها ، وما سأذكره لا يخالف فيه أحد من المنصفين : الآية الأولى : قوله تعالى (كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله ) : فالغزوة قادها تسعة عشر مجاهداً فقط ، وأسلحتهم بيضاء (سكاكين ومقصات!) ، ومع ذلك دكوا عروش الكفر الاقتصادية والعسكرية . وفي (أمريكا) التي تسمى (القوة العظمى الأولى) والمهيمنة على (النظام العالمي الجديد) !. وإن في هذا لآية عظيمة ! . وقد حصل حوار طريف بين أخوين في هذه المسألة أنقله بالمعنى : قال أحدهما : وأي نصر في ضرب دولة بطائرات مدنية لم تعد للحروب أصلاً ؟!. فقال الآخر : وكيف حرب أمريكا للمسلمين في أفغانستان والعراق وغيرها ؟ . الأول : ماذا تعني ؟. الثاني : هل حرب أمريكا على المسلمين في كل مكان إلا من هذا النوع ؟ أليسوا يدكون من يسمون بـ(المدنيين) و (الأبرياء) من (الشيوخ) و (النساء) و (الأطفال) في العراق وأفغانستان والسودان وغيرها بصواريخهم وطائراتهم ؟! فالدعوى كلها حرب من الجو ، طائرات في طائرات. الأول : ولكن هذه طائرات حربية وتلك مدنية . الثاني : هل الطائرة إذا كان اسمها (إف 15) أو (التورنيدو) يحق لها أن تقتل من يسمون بالمدنيين ، وإذا كان اسمها (بوينج) أو (إيرباص) لا يحق لها ذلك ؟!. فالحرب على أحد وجهين : إما المواجهة العسكرية (وجهاً لوجه ) ، فالأمريكان أجبن خلق الله بشهادة الجميع ، وأبعدهم عن المواجهة ، و(أنا كوندا) خير شاهد على ذلك !. فهم يريدونها حرب طائرات ، فكلها ضرب من فوق ، فهذه كهذه ، والباديء أظلم ! انتهى الحوار مختصراً. وقد يقول آخر : وما النصر الذي حصل بهذه الضربة ؟!. فالجواب : لو لم يحصل من النصر إلا قلب تاريخهم ، وموازينهم ، ودراساتهم الاستراتيجية ، والعسكرية ، ونظامهم الدولي ، رأساً على عقب لكفى به !. فالغزوة شكلت منعطفاً تاريخياً عظيماً ، أعاد تشكيل كثير من الأفكار والدراسات ، فالمتخصصون في العلاقات والأنظمة الدولية يقسمون تكوّن النظام الدولي الحديث إلى مراحل هي إجمالاً : مرحلة (1648- 1914م) وهي مرحلة معاهدة (وستفاليا) وما تلاها ، والتي أنهت الحروب والصراعات في أوربا ، وكانت نواة تأسيس العلاقات الدولية الحديثة. ومرحلة (1914-1945م) وهي مرحلة الصراعات و الحروب العظمى العالمية . ومرحلة (1945-1990م) وهي مرحلة تكون هيئة الأمم ، وسيطرة القطبين السوفيتي والأمريكي على العالم ، والحرب الباردة بينهما ، وسباق التسلح. مرحلة ما بعد 1990م وهي مرحلة تبدأ مع سقوط الاتحاد السوفيتي وتهاوي الأنظمة الشيوعية تباعاً وانتهاء الحرب الباردة ، وتفرد أمريكا بالسيطرة والنفوذ ، وابتداء ما يسمى بالنظام العالمي الجديد . وعند هذه المرحلة ظن بعض كبار مفكري أمريكا بأنها نهاية الصراعات والتقلبات السياسية الكبرى وانتصار الرأسمالية الغربية ، وأنه - هاهنا - وقف التاريخ ليشيد بانتصارهم النهائي والأخير : وألقت عصا التسيار واستقر بها النوى كما قر عينا بالإياب المسافر فألف فوكوياما كتابه (نهاية التاريخ) تصور فيه أن العالم قد وصل إلى نهاية التاريخ، إذ ليس بإمكان العقل البشري – كما يزعم - أن يأتي بنظام أفضل من النظام الرأسمالي لأن البديل - الشيوعي - الذي كان يؤمل منه تحقيق السعادة البشرية قد فشل بعد تطبيق دام اثنين وسبعين عاماً، وبذلك فإن النظام الرأسمالي قد أصبح قدر الإنسانية ، الذي لا مفر منه ، والذي ستعيش في ظله إلى الأبد . وقال أحد مفكريها (كانت السياسة الخارجية الأمريكية في الخمسين سنة الماضية قد تكونت استجابة للتهديد الذي يطرحه خصوم هذه البلاد ، ففي كل عام منذ (بيرل هاربر) كانت أمريكا مشتبكة إما في حرب أو في مواجهة ، والآن - ولأول مرة – (بعد النظام العالمي الجديد) منذ نصف قرن، تحظى الولايات المتحدة بالفرصة لإعادة تركيب سياستها الخارجية متحررة من قيود الحرب الباردة وضغوطها ) . ولأنها حظيت بهذه الفرصة - كما يقول - فقد زاد شرها ، واستفحل خطرها ، وطغى أمرها ، فعاثت في الأرض فساداً ، تقتل من تشاء من المسلمين ، وتأسر من تشاء ، وتحاصر من تشاء ، وتضرب من تشاء ، وكأن المسلمين مجموعة حشرات لا قيمة لدمهم ولا لكرامتهم ! . فجاءهم تسعة عشر مجاهداً ، صغار السن ، من جماعة محاربة في جميع دول العالم ، قد شددت عليها الرقابة ، فخيبوا ظنهم ، وقلبوا أنظمتهم وسياساتهم ، وغيّروا دراساتهم ، وأظهروا عوار (رأسماليتهم) و (عولمتهم) و (ديمقراطياتهم) و (حقوق الإنسان عندهم) و (أسطورتهم : السي آي أيه) ، وجعلوا ما سماه مفكروهم (نهاية التاريخ) ، هو في حقيقته (بداية النهاية) لهم بحول الله وقوته!. ولأول مرة في التاريخ الحديث يكون المسلمون فاعلين صانعين للأحداث لا منفعلين متأثرين بها !. وتظهر عظمة هذا الحدث من خمس نواحي : الناحية الأولى : أنه أعاد الإسلام إلى الواجهة في الحروب مع الكفار ، بعد أن كانت القوميات والوطنيات والمصالح هي المحرك للحروب والصراعات ، فأخرجت بذلك العداء الصليبي من الكمون إلى الظهور ، ومن القوة إلى الفعل. والناحية الثانية : أنها أبرزت الدور العظيم للجهاد في قلب الموازين العالمية . والناحية الثالثة : أنها أنهت فكرة تحكم (الدول القومية) في (السياسات) و إعلان (السلم) و (الحرب) ، فإدارة هذا الصراع بيد من ليس لهم انتماء قومي وطني معين ، بل ينتشرون - كما يقول الأمريكان – في أكثر من ستين دولة ، ولا يجمعهم غير الإسلام السلفي الجهادي أو ما يسمونه بـ(الوهابي!)، بل إن السرايا الأربعة التي ضربت أمريكا يقودها أربعة رجال لا تجمعهم (دولة قومية واحدة) ؛ فأحدهم من الكنانة ، والثاني من الخليج ، والثالث من الشام ، والرابع من الحجاز . والناحية الرابعة : أنها جعلت عصر ضرب أمريكا لمن شاءت من المسلمين بدون أي عقاب يولي بلا رجعة إن شاء الله . والناحية الخامسة : أنها بداية السقوط لفكرة (النظام العالمي الجديد) ، والذي لم يهنأ الأمريكان به إلا سنوات معدودة ، وهي بداية السقوط الكلي لأمريكا إن شاء الله . الآية الثانية : قوله تعالى (وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم من الله فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا وقذف في قلوبهم الرعب): وهذه من آيات الله العجيبة التي وقع مصداقها في أحداث سبتمبر ، وانظر إلى الأجزاء الثلاثة لهذه الآية : أولاً : (وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم من الله) : فالناظر في حال (أمريكا) يرى أنها قد أمنت على نفسها من (الغزو) : (جغرافياً) و (عسكرياً) : فالمحيطات التي تحيط بها من جهتين تعزلها عن باقي العالم الذي تقوم (بطحنه) متى شاءت ، ولا خطر عليها من (الجيران) . وصواريخها عابرة القارات ، وقوتها النووية ، والعسكرية ، وحاملات الطائرات التي تجوب البحار ، ومشاريعها في (حرب النجوم) التي تريد من خلالها تحييد القوى النووية المعادية ، وغير هذه الأمور ، كل هذا سلاح أيقنت معه أنه لا يجرؤ أحد على أن يقول لها: (لا) إذا أمرت !. أو : (لِمَ) إذا فَعَلَت ! . ونسجت أساطير (إعلامية) حول مقدرة استخباراتهم ، وأقمارهم الصناعية ، ومقدرتهم على جمع المعلومات ، وخبرتهم في التجسس ، والتلصص !!. فبقوتهم العسكرية ظنوا أنه لا توجد دولة تجرؤ عليها !. وبقوتهم الاستخباراتية ظنوا أنهم قد طوقوا الجماعات الإرهابية ، فلا تقدر على الحراك ! . ثانياً : (فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا) : ومع هذا الغرور ، والصلف ، والجبروت ، والكبرياء ، والغطرسة ، أتاهم الله سبحانه من حيث لم يحتسبوا ، وضربها في أقل من ساعتين ، فحطم ما نسجته أساطيرهم خلال خمسين سنة ، وأرغم أنفها في التراب بوسائل بدائية لا تفلح صواريخها ولا حاملات طائراتها ولا قواتها النووية في ردعها . وممن كانت هذه الضربة ؟!. من عدوها الأكبر الذي حشدت لحربه (استخباراتها) و (أقمارها) و (الخونة) من أتباعها!! . و كأني بأصحاب تلك الغزوة ينظرون من نوافذ تلك الطائرات - وهم يضربون معاقل (أمريكا) – ويرددون : ( بولوا على قوتكم النووية ، وأقماركم الصناعية ، والسي آي إيه ، أيها العلوج ) !!. ثالثاً : (وقذف في قلوبهم الرعب) : فمع هذه الضربات دب الرعب في قلوبهم ، وقد ظهر هذا لكل من شاهد وجوه الأمريكان أثناءها ، وعلى رأسهم طاغيتهم الأكبر (بوش) الذي بقي ساعات ينتقل من مخبأ إلى آخر ، وقد كاد أن يضرب الرقم القياسي في سرعة الاختباء لو أنه سلم من منافسة نائبه (تشيني) !! . الآية الثالثة : قوله تعالى (وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى) : فالناظر إلى آثار تلك الضربات المباشرة وغير المباشرة يعلم أن وراءها قدرة فوق قدرة البشر ؛ يتيقن معها المؤمن بقوله تعالى (وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى) : ومع أن الآثار المباشرة التي نتجت عن ضرب صروح الاقتصاد الأمريكي كانت أكبر مما يتصوره العقل ، وإذا علمت أن تلك الناطحات مصممة - كما يقول المهندسون - لمقاومة اصطدام طائرات (بوينج707) تبين لك هذا الأمر جلياً ، فكيف إذا علمت أن مجموعة أخرى من ناطحات السحاب (تعاطفت) مع (الناطحات الأم) فسقطت معها !، وانظر إلى هذه الخريطة التي تبين لك الآثار المباشرة لها: |