|
الأخبار العالمية
المجتمع وليس المدن فقط..
الاربعاء 4 جمادي الأولى 1430هـ - 29 ابريل 2009م - العدد 14919
تركي عبدالله السديري
عندما تكبر المدن وحدها فإنها تعكس شحوباً تنموياً على حياة باقي المسافات..
وعندما تتكاثر الملكيات الخاصة لتجارة العقار البور أو ملكية البنوك والشركات، فإن ذلك لن يعني محاصرة الفقر..
في حياة الشعوب النامية.. معظمها.. مظاهر وهمية خادعة، فالأبراج السكنية العملاقة.. مثلاً.. لن تعني أن القروي الفقير أصبح يرى القمر في وضوح أكثر..
إن مانيلا في الفليبين ليست شبيهة إطلاقاً لسيبو.. لكن كوالالمبور ليست غريبة الخصائص على المدن المجاورة لها.. في أمريكا الجنوبية حدّث ولا حرج.. في أفريقيا بقدر ما يتساوى لون البشرة فإن أوجاع المعاناة متساوية أيضاً..
قبل زمن ليس بالطويل كان السؤال المقلق كيف ستُحمَّل الرياض مسؤولية استيعاب مدن وقرى اقليمها؟ ونفس الشيء يقال عن جدة وأيضاً أبها ومثلهم الدمام.. واضح لدينا تسارع بناء المدن.. واضح لدينا توافر الرغبة في الوصول إلى ما هو أفضل، لكن كيف..؟
معظم مساحات المملكة وسطها، جنوبها، شرقها، شمالها باستثناء مكة والمدينة وجدة وسبق أن أشرت الى ذلك تخطاها الحكم الأموي إلى الشام، ثم تخطاها الحكم العباسي إلى بغداد، وبقيت تلك المساحات الشاسعة.. أرض تصدير الهجرات بفعل الفقر والخوف.. مواقع فراغ لم تتغير عن طابعها في العصر الجاهلي إلا باعتناق الإسلام..
الشواهد التاريخية تؤكد أن الدولة السعودية منذ تأسيسها الأول هي التي أسست وجود دولة القطاعات المهملة عبر أكثر من ألف سنة.. فأدخلتها عضوية المجتمع البشري وتوافد عليها الدارسون الغربيون حيث كانت مجهولاً غامضاً.. ولبساطة بدايات الحياة عند تأسيس الدولة السعودية الثالثة، فإنه لم يكن غريباً أبداً أن يقف أعرابي مذهولاً فيما رآه داخل جدة:
ديرة هلها يبيعون القهاوي
العدس والفول فيها يجلبونه
لقد كان يعيب عليها ما تطور الآن في منزل أحفاده إلى جبن خالي الدسم وزبادي وعسل مع العدس والفول..
نتقبل هذا الاستغراب منه إذا عرفنا قسوة العزلة، وندرة مواد المعيشة، حيث يقول أحد معاصريه:
نركض ومن صاد الجرادة شواها
وللنار يا مرّث من المال دينار
فالجرادة على ضآلة حجمها زاد سريع ومن يبقيها للبيع كمن يضع نفسه في نار الحرمان بحثاً عن دينار.
ولاشك أن السنين الماضية منذ قال ذلك البدوي قصيدته وحتى الآن تغيرت أشياء كثيرة وتحولت مدن الألف ساكن إلى مدن الخمسة ملايين ساكن ووجدت الجامعات والبنوك والشركات وخدمات الحياة الاجتماعية.. لكننا الآن نعيش مرحلة نقلة تاريخية مختلفة تماماً حيث لم نعد نجهز امكانات ساكن المدينة وعلى من يريد أن يطور عمله أو يطور تعليمه أن ينتقل إليها.. نحن الآن ندخل في عمق المرحلة التي شرعت فيها الدول الأوروبية في تحقيق التقارب بين مستويات امكانات المدن، طبعاً باستثناء العواصم.. هذه المرحلة التي يقودها الملك عبدالله بن عبدالعزيز والتي أصبح فيها الغرب السعودي بإمكاناته، يتماثل مع الشرق في مستحدثات قدراته.. ثم تنشيط الجنوب لكي تتماثل صور التحرك فيه مع ما هو مبذول من امكانات لتطوير مستوى الحياة الحضارية في الشمال..
هذا الذي يحدث.. ليس بالأمر السهل.. أو العادي.. فهو غير موجود في أي دولة عربية أخرى وهو في نفس الوقت توظيف مبادر وذكي لقدرات المال على يدي رجل نزيه لكي تستفيد منها كل فئات المجتمع.
المصدر : http://www.alriyadh.com/article425738.html
|